السبت 17 رجب 1440 - 23 مارس 2019
العربية

الاستهزاء بالدين والتوبة منه

221739

تاريخ النشر : 07-12-2014

المشاهدات : 16769

السؤال


الحادثة التي سأرويها حدثت قبل بضعة أشهر ؛ حيث كنت أتحدث مع أصدقائي حول العذاب في جهنم ، وخلال الحديث تفوهت بمزحة ساخرة حول العذاب في جهنم ـ وضحكت وأصدقائي على إثرها ، وفي مناسبة أخرى قمت بنفس الشيء حيث سخرت من الجن ، وعندما سألت أحد العلماء عن حكم ما فعلته أجابني حينها أن ما فعلته مخرج من الملة ولا يجوز، وقد صدمت لمعرفتي ذلك، والآن وبعد مرور عدة أشهر قام أصدقائي بأداء العمرة ولم يكونوا على دراية بأن المزاح في الدين لا يجوز ، فهل يجب عليهم نطق الشهادتين مرة أخرى ؟ مع العلم أن هذا الشيخ أخبرني بأنه ليس من الضروري فعل ذلك لأننا نلفظ الشهادتين دائماً ، ولكن ما أخشاه هو أن لا يكون أصدقائي قد نطقوا الشهادتين منذ ذلك الحين ، وإذا أخبرتهم بذلك فسيظنون بأنني مجنون ، وسيغضبون مني وهذا يفوق استطاعتي ، أتمنى أن يغفر الله لهم ، لكنني في حيرة من أمري: هل يجب علي أن أذكرهم بتلك الحادثة وأثرها أم لا ؟


الحمد لله
أولا :
لا شك أن السخرية والاستهزاء بأمر معلوم أنه قد جاء به الدين : هي كفر مخرج من الملة ، ولو لم يكن صاحبه يقصد سوى هذه السخرية ؛ فهذه بحد ذاتها فعل مخرج من ملة الإسلام ؛ كما قال الله تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) التوبة/65-66 .
وينظر جواب السؤال رقم : (175838) ، ورقم : (111473) .
وكان الواجب على من حضر مثل هذا المجلس أن ينكر ذلك ، فإن لم يفعل فالواجب عليه مغادرة المجلس ، حتى لا يكون شريكا في الإثم ، فإن أبدى شيئا من الإعجاب أو الرضا بفعلهم وقولهم فإنه مثلهم ، قال تعالى : ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) سورة الأنعام/68 ، وقال تعالى : ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) سورة لنساء/ 148 .
فجعل الله عز وجل القاعد الذي يشهد المنكر ، من غير إنكار له : بمنزلة الفاعل لذلك المنكر ، أو القائل له .
ولهذا يقال : المستمع شريك المغتاب ، وفي الأثر : من شهد المعصية وكرهها ، كان كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها ورضيها ، كان كمن شهدها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ولما استهزأ بعضهم فقالوا عمن رضي الله عنهم وأرضاهم " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء " ، أنزل الله : ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) ؛ فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم : إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له ، بل كنا نخوض ونلعب ، وبيَّن أن الاستهزاء بآيات اللّه كفر ، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام " انتهى من " الإيمان " (2/ 284) .
ثانيا :
لا شك أن الاستهزاء بأمر من أمور الدين ، ينافي توقير هذه الشعيرة ، وتعظيم شأنها ؛ خاصة في أمر مثل عذاب القيامة ، أو القبر ، أو أهوال البعث والنشور ؛ فإن الشرع إنما أخبر بذلك : تخويفا للعباد ، واستصلاحا للقلوب ، حتى لا تتمادى في غفلتها ؛ فمن أعظم الغفلة ، وغلبة الجهل والهوى ، وطمس البصيرة : أن يجعل الموعظة والتخويف ، مادة للتندر والسخرية والاستهزاء .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، عن حال هؤلاء المنافقين المستهزئين :
" فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا ، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر ، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه ، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ، ولكن لم يظنوه كفرا ، وكان كفرا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه " انتهى من مجموع الفتاوى " ( 7 / 273 ) .
ويجب على الواقع في مثل ذلك تجديد إيمانه بالنطق بالشهادتين ، والتوبة النصوح مما فعل ، فأما الشهادتان فالإتيان بها في الصلاة كاف ، أو في النسك : كاف .
جاء في "كشاف القناع" (6/181) :
" (وَإِذَا صَلَّى) الْكَافِرُ (أَوْ أَذَّنَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا)" انتهى .
وأما التوبة فلابد من توبة خالصة خاصة من ذلك المنكر العظيم .
قال الشيخ ابن عثيمين " من قال كلمة الكفر ولو مازحا : فإنه يكفر ، ويجب عليه أن يتوب ، وأن يعتقد أنه تاب من الردة ، فيجدد إسلامه ، فآيات الله عز وجل ورسوله أعظم من أن تتخذ هزوا أو مزحا " انتهى من " لقاءات الباب المفتوح " (60/ 12) .
وما ذكرته من حال أصدقائك ، ليس عذرا لك في ألا تنبههم على عظيم الجرم الذي أتوا به ، بل الواجب عليك أن تخبرهم بحكم ما فعلوا ، ليتوبوا إلى الله تعالى منه ، ويندموا عليه ، ويحذروا أن يعودوا إليه مرة أخرى .
وبإمكانك أن تقرأ لهم هذه الرسالة ، جوابا عن سؤالك ، وما يشابهها من الأجوبة المتعلقة بحكم ذلك في الشرع .
وينظر جواب السؤال رقم :(153656) ، (163627) .
والله أعلم .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات