الأربعاء 4 ربيع الأوّل 1442 - 21 اكتوبر 2020
العربية

هل يقطع اتصاله بأهل أصحابه الذين توفوا في حادث ؛ لئلا يذكّرهم بمصابهم ؟

225559

تاريخ النشر : 15-02-2015

المشاهدات : 5419

السؤال


كان لي من الأصدقاء ثلاثة في عملي ، وكنت أراهم يوميا ، وقد توفاهم الله في حادث أليم، كنت أتصل بصفة دورية بوالديهم بعد الحادث ، حتى أكون على اتصال بهم ، كنوع من الود، وإشعارهم أنني معهم لتوفير أية خدمات في مقدرتي . ولكن قالت لي والدتي ربما أنك تعيد الذكريات الأليمة كلما تحدثوا معك ، وهذا يترك بالقلب حزنا ، فلا تفعل ؟ فهل أقطع هذه الاتصالات درءا لتذكر هذا الحادث الأليم ، أم أكمل التحدث معهم ؟ هل حفاظ الرسول على ود أصدقاء السيدة خديجة هو أمر مماثل؟

الجواب

الحمد لله.


من الوفاء للصديق والصاحب أن يراعي الإنسان حرمته ، ويكرم أهله وأصدقاءه ولو كان ذلك بعد وفاته .
روى الحاكم في "المستدرك" (40) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ، قَالَتْ: جَاءَتْ عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ: لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ أَنْتِ؟) قَالَتْ: أَنَا جَثَّامَةُ الْمُزَنِيَّةُ، فَقَالَ: (بَلْ أَنْتِ حسَّانَةُ الْمُزَنِيَّةُ، كَيْفَ أَنْتُمْ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ؟ كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا؟) قَالَتْ: بِخَيْرٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُقْبِلُ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ هَذَا الْإِقْبَالَ؟ فَقَالَ: ( إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَنَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ )
وحسنه الألباني في "الصحيحة" (216)
وحسن العهد : هو الوفاء ورعاية الحرمة . "فيض القدير" (2/446) .

وروى البخاري (3818) ومسلم (2435) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: ( مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ ).
قال النووي رحمه الله :
" فِي هَذَا دَلِيلٌ لِحُسْنِ الْعَهْدِ وَحِفْظِ الْوُدِّ، وَرِعَايَةِ حُرْمَةِ الصَّاحِبِ وَالْعَشِيرِ فِي حَيَاتِهِ وَوَفَاتِهِ، وَإِكْرَامِ أَهْلِ ذَلِكَ الصَّاحِبِ " انتهى .

فاتصالك بأهل أصدقائك وقضاء حاجاتهم هو من الوفاء لأصدقائك ومراعاة حقوقهم ، وهو من الإيمان ، فمن فعل ذلك فهو أكمل إيمانا ممن لم يفعله .

ولكن ، ومع ذلك ... فما ذكرته لك والدتك هو أمر قد يكون له وجاهته ، بالنسبة لبعض الأشخاص ، أو بعض الأسر ، لاسيما وأن من الناس من يكون ضعيف الصبر ، فكلما رأى صديق ابنه المتوفى ، تذكر مصابه ، وقد يبقى بسبب ذلك أياما حزينا مكتئبا .

وعلى هذا ؛ فالذي ينبغي أن تراعي ذلك ، فتنظر إلى حال هؤلاء ، فإن كان اتصالك بهم مما يزيدهم حزنا ، ويذكرهم بمصابهم : فينبغي أن لا تتصل بهم ، أو تتركهم مدة يغلب على ظنك فيها أنهم قد تجاوزا تلك المصيبة ، ثم تتصل بهم وتتعاهدهم بعد ذلك .
وإن رأيت أنهم صابرون ، وأنهم يسرون باتصالك ومساعدتك لهم ، فذلك عمل صالح وهو من الإيمان ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
وهذا أمر تعرفه أنت من خلال تواصلك السابق ، هذه المدة معهم ؛ فإن وجدتهم على الأنس بك ، ومحبة التواصل معك : فلا تقطع عنهم ذلك ؛ فإن قطعهم عن ذلك ، بعد ما آنستهم به : شديد.
والله أعلم .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب