السبت 7 شوّال 1441 - 30 مايو 2020
العربية

لا تشترط الطهارة لسجود التلاوة والشكر

235969

تاريخ النشر : 05-04-2017

المشاهدات : 40661

السؤال


كيف استدل طائفة من العلماء على عدم شرطية الطهارة بسجود المسلمين والمشركين لما قرأ عليه الصلاة والسلام سورة النجم مع أن القصة مكية ومحتملة فترد إلى عموم الصلاة ، فالسجود جزء بارز من الصلاة ولا اعتبار بفعل المشرك أم نقول ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال فيحتمل فيمن سجد من المسلمين أن يكون فيهم من ليس على طهارة وسجد أفيدوني بارك الله فيكم

نص الجواب


الحمد لله
هذه مسألة محل خلاف بين أهل العلم .
فالجمهور ومنهم المذاهب الأربعة على أن الطهارة شرط لسجود التلاوة .
قال القرطبي رحمه الله تعالى :
" ولا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حدث ونجس ، ونية ، واستقبال قبلة ، ووقت . إلا ما ذكر البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير طهارة . وذكره ابن المنذر عن الشعبي " انتهى . " تفسير القرطبي " (9 / 438) .

وقد اختار بعض أهل العلم قول ابن عمر ، وقالوا بعدم اشتراط الطهارة لسجود التلاوة ، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى . " الفتاوى الكبرى " (5 / 340) .
ومن المعاصرين : اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ، كما في " فتاوى اللجنة " (7 / 263) . والشيخ عبد العزيز بن باز ، والشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله .
وعمدتهم أنّ أحاديث سجود التلاوة لا تدل على اشتراط الطهارة ، بل دلالتها على عدم الاشتراط أقرب .
قال الشوكاني رحمه الله تعالى :
" ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئا ، وقد كان يسجد معه - صلى الله عليه وسلم - من حضر تلاوته ، ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بالوضوء ، ويبعد أن يكونوا جميعا متوضئين . وأيضا قد كان يسجد معه المشركون كما تقدم ، وهم أنجاس لا يصح وضوؤهم " انتهى من " نيل الأوطار " (5 / 347) .

وحديث سجود المشركين رواه البخاري (1071) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِالنَّجْمِ ، وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ ) .
وبوّب عليه البخاري بقوله :
" بَابُ سُجُودِ المُسْلِمِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ ، وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ . وَكانَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما يَسجدُ على غير وُضوءٍ " .
ووجه الاستدلال: أن المشركين لا يتطهرون ، ولا يصح منهم ، والمسلمون يستبعد أن يكونوا كلهم على وضوء في ذلك الحين ، ورغم ذلك لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على المشركين سجودهم لأجل عدم الطهارة ، ولا أنه ذكر للمسلمين اشتراط ذلك .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :
" قال – ابن رشيد - ويحتمل أن يجمع بين الترجمة وأثر ابن عمر : بأنه يبعد في العادة أن يكون جميع من حضر من المسلمين كانوا عند قراءة الآية على وضوء ، لأنهم لم يتأهبوا لذلك ، وإذا كان كذلك فمن بادر منهم إلى السجود خوف الفوات بلا وضوء ، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك : استدل بذلك على جواز السجود بلا وضوء ، عند وجود المشقة بالوضوء ، ويؤيده أن لفظ المتن ( وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ) . فَسَوَّى ابن عباس في نسبة السجود بين الجميع ، وفيهم من لا يصح منه الوضوء ، فيلزم أن يصح السجود ممن كان بوضوء ، وممن لم يكن بوضوء . والله أعلم " انتهى من " الفتح " (2 / 554) .
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله ، كما في "فتاوى نور على الدرب" (10/461) : " الصواب أنه لا تشترط الطهارة لسجدة التلاوة والشكر؛ لأن الإنسان قد يتلو على غير طهارة، يسجد والحمد لله، قد يأتي خبر يسره يسجد للشكر، والنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه خبر يسره كان يسجد لله شكرا، وكان يقرأ القرآن بين أصحابة فإذا مر بالسجدة سجد وسجدوا معه، ولم يقل لهم: لا يسجد أحد إلا إذا كان على طهارة. معلوم أن المجالس تضم المحدث وغير المحدث، فلو كانت الطهارة شرطا لقال لهم: الذي ليس على طهارة لا يسجد. فلما سكت دل على أن الطهارة غير شرط " انتهى .
وسُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : هل يجوز للمحدث أن يسجد للتلاوة أو الشكر؟
فأجاب : "حكم هذه المسألة ينبني على الخلاف في سجدتي التلاوة والشكر، هل هما صلاة أم لا؟ فإن قلنا هما صلاة: وجبت لهما الطهارة، وإن قلنا إنهما غير صلاة: لم تجب لهما الطهارة .
والمتأمل للسنة يدرك أنهما ليستا صلاة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسجد للتلاوة، ولم ينقل عنه أنه كان يكبر إذا سجد ولا إذا رفع ولا يسلم، إلا في حديث رواه أبو داود في التكبير للسجود دون الرفع منه ودون التسليم .
فمن تأمل سجود الرسول صلى الله عليه وسلم للتلاوة أو الشكر تبين له أنه لا ينطبق عليه تعريف الصلاة، وعليه فلا تكون سجدة التلاوة وسجدة الشكر من الصلاة، وحينئذ لا يحرم على من كان محدثا أن يسجد للتلاوة أو الشكر، وقد صح عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه كان يسجد للتلاوة بدون وضوء.
ولكن لا ريب أنه الأفضل أن يتوضأ الإنسان، لاسيما وأن القارئ سوف يتلو القرآن، وتلاوة القرآن يشرع لها الوضوء لأنها من ذكر الله، وكل ذكر لله يشرع له الوضوء " انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (11/215) .
وانظر الشرح الممتع (4/90) .
غير أن الأحوط ، على كل حال : " ألا يَسْجُدَ الإِنسانُ إِلا وهو على طَهَارةٍ ، كما أنَّهُ يَنْبغي أَنْ يقرأ على طهارة." اهـ . كما ذكر الشيخ ابن عثيمين في غير موضع . ينظر : "الممتع" (1/327) (14/310) ، "فتاوى نور على الدرب" (8/2) ـ الشاملة .
والله أعلم .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات