الأربعاء 4 جمادى الآخرة 1441 - 29 يناير 2020
العربية

القول بحَكَم جليلة في زواجات النبي صلى الله عليه وسلم لا ينافي قضاء شهوته المباحة

254485

تاريخ النشر : 21-11-2019

المشاهدات : 678

السؤال

السؤال:

أريد أن أستفسر عن بعض أمور النبي صلى الله عليهم وسلم في زواجه من زوجاته رضي الله عنهن وحياته ، ولا أقصد أبدا الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم ، والعياذ بالله ، ولكن بعض الأمور استغربتها وتشابكت في ذهني ، ولا أريد أن يبقى في ذهني شيء خاطئ،
فهناك الكثير من المشايخ : يقولون بأن النبي لم يتزوج من أجل شهوة ؛ والدليل على هذا أن جميع زوجاته ثيبات إلا عائشة كانت بكراً ، ووطئها بعمر التسع ، ولكن كون زوجاته ثيبات لا يدل أنهن لسن لشهوة ، فحتى الثيب بالطبع تفي بغرض الجماع ، وخاصة أن صفية وجويرية كانتا ذواتا جمال كبير ، ولا يقنعني بأن النبي تزوجهم من أجل أنهن كانتا سيدات ، فأصبحن بالنهاية إماء ، ورغب بأن يعوضهن كسر قلوبهن فتزوجهن ، وحتى إن عائشة رضي الله عنها عندما رأت جويرية قالت : بأنها كرهتها ؛ لأنها جميلة ، وعلمت بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيرى أيضا جمالها ، وسيرغب بالزواج بها ، وصفية أيضا خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعتقها وتذهب لأهلها ، أو أن يعتقها وتصبح زوجته ، وأظن بأن النبي صلى الله وسلم يعلم بأنها سترغب بالزواج منه ، فلهذا قال لها ذلك ، فما العلاقة بين أن يخيرها ما بين أن يعتقها وتذهب أو أن يعتقها فيتزوجها بأن ذلك كان ليجبر كسرها ؟

والنبي قال بنفسه : بأنه يحب النساء ففي حديثه ( حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب ) إلى آخر الحديث ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول بنفسه : إنه يحب النساء ، فلماذا يقول الناس : بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج قط من أجل قضاء الشهوة ؟ ولو فعل هذا فهذا شيء طبيعي في الرجل خاصة ؛ وهذا كلام صحيح ، ولكن الغريب بأن يقول الناس بأنه لم يتزوج قط من اجل قضاء شهوة او إعجابه بجمال امرأة .

وما قصد النبي صلى الله عليه وسلم في أنه يحب النساء ؟ .

وما معنى قول عائشة ( إني أرى ربك يسارع في هواك ) ؟  

أوضح مرة أخرى أني لا أقصد الإساءة أبدا للنبي صلى الله عليه وسلم .

 

الحمد لله

أولاً:
لا نرى في هذا السؤال إساءة للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هو سؤال متداول، وقد أحسنت في عرضه والسؤال عنه لرفع الإشكال الموجود بالفعل، ومعرفة الجواب يستفاد منه في الرد على الطاعنين في النبي صلى الله عليه من الكفار .

ثانياً:
زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع نساء: هو خصوصية له ، دون سائر أمته كما هو معلوم.

وعند التأمل في زواجاته صلى الله عليه وسلم، نجد أنه تزوج الأولى - قبل النبوة - وهو في عمر الخامسة والعشرين، وهي تكبره بخمس عشرة سنة ، وقد مكث معها ستّاً وعشرين سنة لم يتزوج عليها، مع شيوع التعدد في تلك البيئة .

ونجد أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن تعدى سن الخمسين، تزوج بتسع من النساء لم تكن واحدة منهن بكرا إلا عائشة!!

ولما رأى أهل العلم ذلك، ذكروا حِكَما جليلة في تلك الزواجات.

وما ذكروه: لا ينافي بحال، أن يكون من دواعي زواجه صلى الله عليه وسلم المتعدد قضاء " "الوطر"، والوفاء بمقتضى "الشهوة" الغريزية، فيما أحل الله له. لكنها لم تكن أولوية وذلك بحسب ما رأوه من اختياراته لأعمار وأحوال نسائه رضي الله عنهن، ولذلك كانت عبارتهم دقيقة إذ قالوا " وليس الداعي إلى جمعه صلى الله عليه وسلم مجرد الشهوة " - كما ذكرناه في جواب السؤال : (127066) - ، وقالوا " لا نعلم حتى الآن أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة " - كما ذكرناه في جواب السؤال : (118102) .

 

وقد أنصفت نبيَّنا صلى الله عليه وسلم  امرأةٌ مستشرقة - واسمها " آن بيزيت " - بعد قراءتها لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والاطلاع على تفاصيل زيجاته حين قالت :

من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم، ويعرف كيف عاش هذا النبي، وكيف علم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل ، أحد رسل الله العظماء ، ورغم أنني سوف أعرض فيما أروي لكم أشياء ، قد تكون مألوفة للعديد من الناس ، فإنني أشعر في كل مرة أعيد فيها قراءة هذه الأشياء: بإعجاب وتبجيل متجددين لهذا المعلم العربي العظيم.

هل تقصد أن تخبرني أن رجلاً في عنفوان شبابه ، لم يتعد الرابعة والعشرين من عمره ، بعد أن تزوج من امرأة أكبر منه بكثير وظل وفياً لها طيلة 26 عاماً ، ثم عندما بلغ الخمسين من عمره - السن التي تخبو فيها شهوات الجسد - تزوج لإشباع رغباته وشهواته؟!

ليس هكذا يكون الحكم على حياة الأشخاص!!

فلو نظرت إلى النساء اللاتي تزوجهن ، لوجدت أن كل زيجة من هذه الزيجات ، كانت سبباً: إما في الدخول في تحالف لصالح أتباعه ودينه ، أو الحصول على شيء يعود بالنفع على أصحابه، أو كانت المرأة التي تزوجها في حاجة ماسة للحماية .

" حياة وتعاليم محمد " دار مادرس للنشر ، بواسطة كتاب " موسوعة الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " (5/175) - الشاملة - .

 

وكون الرجل له شهوة تجاه النساء هذا ليس شيئا يعيبه ؛ بل هذا من تمام فحولة الرجل، وقوة شخصه وذاته، وهي أيضا: فطرة فطرها الله فى كل الرجال.

والعبرة : كيف يكون تصريفها؛ أفي حلال أم في حرام ؟

وهل تشغله عن طاعة ربه ومولاه أم لا ؟

وهذا التمتع بالشهوة الحلال: هو من متاع الدنيا الذي امتن الله تعالى على الناس، قال تعالى :  زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ   آل عمران/14.

فكيف إذا علمنا أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم قد أكمل الله تعالى بِنيته ، وقوَّى فحولته ، وأعطاه من القوة في الجماع ما يقضي به شهوته ، ويؤدي حقوق زوجاته به .

عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسٍ : أَوَكَانَ يُطِيقُهُ ؟ قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ " .

وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ : تِسْعُ نِسْوَةٍ .

رواه البخاري (265) .

 

ومعنى ( يدور ) أي : يجامعهن .

( إحدى عشرة ): تسع زوجات ، وأمَتان : مارية ، وريحانة .

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - :

وفي هذا الحديث من الفوائد : ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من القوة على الجماع ، وهو دليل على كمال البِنْية ، وصحة الذكورية .

انتهى من " فتح الباري " (1/379) .

 

وقال القاضي عياض - رحمه الله - :

فقد بان لك من هذا: أن عدم القدرة على النكاح: نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ، ثم قمعها، إما بمجاهدة ، كعيسى عليه السلام، أو بكفاية من الله تعالى ، كيحيى عليه السلام .
انتهى من " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (1/193) .

 

 

ثالثاً:

وأما الجواب عن سؤالك عن معنى حب النبي صلى الله للنساء : فلعلك تريدين شرح الحديث الوارد في هذا وهو ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( حُبِّب إِليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ النِّسَاءُ ، وَالطِّيبُ ، وَجُعَلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ ) .

رواه النسائي ( 3939 ) ، وصححه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (3 /15) و (11 / 345) والألباني في " صحيح النسائي " .

 

وهذه المحبة في الحديث هي محبة جبلية طبيعية ، والنساء في الحديث المراد بهن الزوجات والإماء .

قال ابن القيم - رحمه الله - :

" فمن المحبة النافعة : محبة الزوجة ، وما ملكت يمين الرجل؛ فإنها معينة على ما شرع الله سبحانه له ، من النكاح ، وملك اليمين؛ من إعفاف الرجل نفسه وأهله، فلا تطمح نفسه إلى سواها من الحرام ، ويُعفها ، فلا تطمح نفسها إلى غيره ، وكلما كانت المحبة بين الزوجين أتم وأقوى ، كان هذا المقصود أتم وأكمل، قال تعالى : ( هُوَ الّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) الأعراف/ 189، وقال : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَل بَيْنَكُمْ مَوَدَّةَ وَرَحْمَةً ) الروم/ 21 .

وفى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه سئل من أحب الناس إليك؟ فقال: ( عائشة )، ولهذا كان مسروق رحمه الله يقول إذا حدث عنها : ( حدثتنى الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، المبَّرأة من فوق سبع سماوات ) .

وصح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال : ( حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى فى الصلاة ) .

فلا عيبَ على الرجل فى محبته لأهله، وعشقه لها، إلا إذا شغله ذلك عن محبة ما هو أنفع له، من محبة الله ورسوله، وزاحم حبَّه وحبَّ رسوله، فإن كل محبة زاحمت محبة الله ورسوله، بحيث تضعفها وتَنقُصها: فهي مذمومة. وإن أعانت على محبة الله ورسوله، وكانت من أسباب قوتها: فهي محمودة.

ولذلك كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يحب الشراب البارد الحلو، ويحب الحلواء والعسل، ويحب الخيل، وكان أحب الثياب إليه القميص، وكان يحب الدباء، فهذه المحبة لا تزاحم محبة الله، بل قد تجمع الهم والقلب على التفرغ لمحبة الله، فهذه محبة طبيعية تتبع نية صاحبها وقصده بفعل ما يحبه.

فإن نوى به القوة على أمر الله تعالى وطاعته: كانت قربة، وإن فعل ذلك بحكم الطبع والميل المجرد: لم يُثَبْ ، ولم يعاقب. وإن فاته درجة من فعله متقربا به إلى الله ".

انتهى من " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان " (2/139،140) .

وينظر أيضا : " زاد المعاد " ( 4 / 228 ) .

 

وبعض أهل العلم ذكر وجها آخر، لمحبته صلى الله عليه وسلم لنسائه، وتقريبه لهن.

قال السندي رحمه الله :

" قِيلَ : إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ: لِيَنْقُلْنَ عَنْهُ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ أَحْوَالِهِ، وَيُسْتَحَيَا مِنْ ذِكْرِهِ" انتهى. 

رابعاً:
وأما ما سألت عنه من معنى قول عائشة : ( إني أرى ربك يسارع في هواك ) : فنذكر أولا سياق حديثها كاملا ثم نعقبه بكلام أهل العلم في شرحه .

روى البخاري (4510) ، ومسلم (4823) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : " كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللاَّتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَقُولُ : أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ) قُلْتُ : مَا أُرَى رَبَّكَ إِلاَّ يُسَارِعُ فِى هَوَاكَ " .

 

ومعنى الآية: تخييره صلى الله عليه وسلم في رفض من يشاء ، وقبول من يشاء من الواهبات أنفسهن له .

والهوى في كلام عائشة معناه : الميل والمحبة .

قال ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - :

وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقا، فيدخل فيه الميل إلى الحق وغيره، وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة، والانقياد إليه. وسئل صفوان بن عسال هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الهوى فقال: سأله أعرابي عن الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم، قال: ( المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ) - رواه أحمد ( 18095 ) وحسنه المحققون - ولما نزل قوله عز وجل ( تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .

انتهى من " جامع العلوم والحكم " (2/ 399) .

وقال النووي - رحمه الله - شارحا كلام عائشة :

ومعناه : يخفف عنك، ويوسع عليك في الأمور، ولهذا خيَّرك .

انتهى من " شرح مسلم "(10/50) .

 

ونزول التشريع بما يحب النبي صلى الله عليه وسلم ويرضاه: قد وجد له أمثلة أخرى غير هذا ، ومنه قوله تعالى ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) البقرة/ من الآية 144 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - :

في تفسير ( فلنُولّينّك قبلةً ترضاها ) أي : تحبّها وهي الكعبة, وفي هذا بيانٌ لفضله وشرفه صلى الله عليه وسلم, حيث إنّ الله تعالى يسارع في رضاه .

انتهى من " تفسير السعدي " ( ص 71 ) .

وينظر للأهمية جواباً مطولاً حول هذه الجزئية برقم (294993)

 

والله أعلم

المصدر: الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات