الأربعاء 23 شوّال 1440 - 26 يونيو 2019
العربية

له عدة أسئلة حول حادثة الإفك

273142

تاريخ النشر : 23-07-2018

المشاهدات : 13358

السؤال

في حادثة الإفك تغير الرسول مع عائشة ، وسأل عنها مولاتها بريرة ، وسأل كذلك عليا وأسامة ، وفي شروحات الحديث يقول العلماء ، ومنهم ابن حجر : إنه يجوز للنبي الشك في زوجته بسبب ما قيل ؛ لأنه بشر، فلي أسئلة . ١- هل يقال أنه ما دام النبي فعل ذلك فكذلك يحق لكل رجل من أمته مثله ، فإن كان المعصوم قد حزن وشك في زوجته فكيف بمن دونه ؟ هل يحق للرجل الشك في زوجته ومشاورة أحد في فراقها ، ولم يثبت عليها شيء ، كما شاور النبي عليا وأسامة ؟ أم الصحيح أن يقال : إن ما حدث من النبي كان قبل نزول التشريع بوجوب الإتيان بأربعة شهداء وإلا لا يقبل الاتهام ؟! ٢- أنا كلما راجعت الحديث ورأيت موقف أسامة بن زيد أقول : نعم القول ما قال ؛ لأنه أنصف أمنا عائشة ، وقدم حسن الظن ما دام أنه لا دليل ، وأما موقف علي فأجلس أتأمل فيه بأنه من الصعوبة بمكان إذ قال للنبي النساء دونها كثير، لكن قرأت لبعض العلماء أن موقف علي هو الأصوب في حق النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه حزن مما قيل ، والأفضل له الانتهاء من هذا الحزن ، ولذا كان كلام علي ، لكني أشعر بالشفقة تجاه أم المؤمنين ، وأني لو حدث ذلك معي مثلا لغضبت إن قال صديق لزوجي ذلك بلا بينة أو دليل ، فكيف بأمنا عائشة رضوان الله عليها؟ فهل إن قال أحد مثل ذلك في زمننا يعد هذا منه جائزا ، أم ليس له الكلام بلا بينة ؛ لئلا يكون مخببا لرجل على زوجته؟! 3- لما نزلت براءة أمنا عائشة ، وقالت لها أمها : قومي فاشكري رسول الله ، فقالت والله لا أحمد إلا الله ، وفيه يقول العلماء في شرحه : إن هذا عتاب منها للنبي ؛ لأنه شك في أمرها ، وقال لها : إن كنت ألممت بذنب فاستغفري ، فهل يصدق على هذا حقا أنه عتاب منها له لشكه فيها ؟

نص الجواب

الحمد لله

فإن الله برأ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مما قاله فيها أهل الإفك والبهتان ، وأجمع أهل العلم على أن من اتهمها مما برأها الله منه ، بعد نزول براءتها : فهو كافر .

قال العراقي في "طرح التثريب" (8/69) :" صَارَتْ بَرَاءَةُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ الْإِفْكِ بَرَاءَةً قَطْعِيَّةً بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، فَلَوْ شَكَّ فِيهَا إنْسَانٌ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ". انتهى

أما الجواب عما جاء في السؤال فبيانه كما يلي :

أولا : هل شك النبي صلى الله عليه وسلم في زوجته أم لا ؟

بداية يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يظن قط وقوع الفاحشة من عائشة رضي الله عنها ، وإنما كان قصده بقوله صلى الله عليه وسلم :" إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله " : هو احتمال وقوع الصغائر لا الفاحشة .

قال ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (11/52) :" قول النبي صلي الله عليه و سلم :( يا عائشة إن كنت قارفت أو ظلمت ) : لم يرد به النبي صلي الله عليه و سلم قط أنه الفاحشة ، ومن قال ذلك فقد كفر كفرا مبينا ، فإنه ما بغت امرأة نبي قط ، وما كان الله ليسلط علي فراش رسوله من يلطخه  ، وهو قد صانه عن أن تنكح أزواجه من بعده ، فكيف من أن يتمكن من الفاحشة فيهن "انتهى .

وأما مسألة هل حصل للنبي صلى الله عليه وسلم نوع شك فيما قاله أهل الإفك ؟ فهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم :

القول الأول : يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك قط في عائشة رضي الله عنها ، وأنه كان يعلم براءتها ، لعلمه ببراءة نساء الأنبياء عن الوقوع في الفاحشة ، ولعلمه بما عليه عائشة رضي الله عنها ، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لما كان لا يجوز أن يحكم لنفسه ، ولعلمه أنه لا يكفي حكمه وقوله في عائشة رضي الله عنها، في قطع إفك الكذابين: انتظر نزول الوحي ليكون أقطع للأمر ، فلما استبطأ نزول الوحي استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وغيرهما .

قال ابن حجر في "فتح الباري" (8/480) في شرحه لحديث الإفك :" وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْزِمْ فِي الْقِصَّةِ بِشَيْءٍ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ . نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْن أَبِي جَمْرَةَ " انتهى .

القول الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم حصل له نوع شك لأجل ما حدث، مع رجحان براءتها عنده ، إلا أنه لم يتيقن ذلك إلا بعد نزول الوحي ، وجوز هؤلاء أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بعد أوحي إليه اشتراط براءة نساء الأنبياء من الفاحشة ، ومعلوم أنه لا عصمة لأحد سوى الأنبياء ، ولعلمه أن حسن الظن لا يحسم القيل والقال: انتظر الوحي ، وأنه لما استبطأ الوحي استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد في فراق أهله ، ثم خرج على الناس يقول لهم :  مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا ، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا ، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي .

قال شيخ الإسلام في "الرد على البكري" (2/654) :" وقد تنازع الناس في النبي صلى الله عليه و سلم هل كان يعلم براءة عائشة قبل نزول الوحي، مع اتفاقهم على أنه لم يجزم بالريبة :

 فمن الناس من قال يعلم براءتها ، وكذلك علي ، ولكن لخوض الناس فيها ورميها بالإفك : توقف .

قالوا : وذلك أن نساء الأنبياء ليس فيهن بغي ، كما قالت طائفة من السلف : ما بغت امرأة نبي قط ، لأن في ذلك من العار بالأنبياء، ما يجب نفيه .

 وقال آخرون: بل كان النبي صلى الله عليه وسلم حصل له نوع شك ، و ترجحت عنده براءتها ، و لما نزل الوحي حصل اليقين .

 قالوا : والدليل على ذلك أنه استشار في طلاقها عليا وأسامة . قال أسامة : أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا خيرا ، وقال علي : لا يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك. فسأل النبي صلى الله عليه و سلم بريرة : ما علمت على عائشة أو ما رأيت ؟ فقالت : ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر ، غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن فتأكله .

 فسؤاله لبريرة، واستشارته لعلي وأسامة : دليل على حصول الشك فيها ، وهو لما خطب ما جزم بالبراءة ، فقال فيما قال : والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي " ؛ ولو كان جازما بالبراءة لقال : إنهم كذبوا على أهلي وافتروا ، وإن أهلي لبريئة مما قيل ، ونحو ذلك .

 ونفي العلم، ليس علما بالعدم ، لكن هذه العبارة تصلح لدفع المتكلم ونهيه ، وذمه على قبول القول ، كما قال تعالى :( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) النور/15.

 والعدل الذي عرفت عدالته ، إذا لم يعلم فيه من له به خبرة ، ما ظن به .. ، كان عدلا عنده ، فإذا جرحه جارح لم يعلم صدقه ، بل ترجح عنده كذبه : لم يقدح في عدالته ، ولم يوجب الجزم ببراءته .

 قال صاحب هذا القول : ولولا نزول براءتها من السماء لدام الشك في أمرها ، و إن كان لم يثبت شيء ؛ ففرق بين عدم الثبوت ، مع حد القاذف ، وبين البراءة المنزلة من السماء من الله عز وجل .

ولهذا ذكر غير واحد من العلماء اتفاق الناس، على أن من قذفها بما برأها الله تعالى منه : فقد كفر ، لأنه مكذب للقرآن ... "انتهى .

وقال الألوسي في "روح المعاني" (18/122) :" ولعل الحق : أنه عليه الصلاة والسلام قد أُخفي عليه أمر الشرطية ، إلى أن اتضح أمر البراءة ، ونزلت الآيات فيها ، لحكمة الابتلاء ، وغيره مما الله تعالى أعلم به ، وأن قول أولئك الأصحاب رضي الله تعالى عنهم : سبحانك هذا بهتان عظيم ، لم يكن ناشئا إلا عن حسن الظن ، ولم يتمسك به صلى الله عليه وسلم ، لأنه لا يحسم القال والقيل ، ولا يُرد به شيء من الأباطيل ". انتهى

ثانيا : أما قول السائل هل يحق للرجل أن يشك في امرأته ولم يثبت عليها شيء ؟

فنقول :

أن الأصل حرمة إساءة الظن بالمسلمين، وتتبع عوراتهم، إلا ببينة واضحة ، أو أمارات ظاهرة .

وقد روى مسلم في "صحيحه" (715) ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:" نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ " .

قال ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (7/369) في شرحه لهذا الحديث  :" ومعنى الحديث النهى عن التجسس على أهله ، ولا تحمله غيرته على تهمتها، إذا لم يأنس منها إلا الخير "  انتهى .

وقال الصنعاني في "سبل السلام" (2/206) :" وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْبُعْدِ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْأَهْلِ ، وَالْحَثُّ عَلَى مَا يَجْلِبُ التَّوَدُّدَ وَالتَّحَابَّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَعَدَمَ التَّعَرُّضِ لِمَا يُوجِبُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَهْلِ ، وَبِغَيْرِهِمْ أَوْلَى " انتهى .

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين كما في "فتاوى نور على الدرب" (شريط 38) :" ما حكم الشك في الزوجة إذا جاء عن طريق الوسواس والأوهام؟ وهل يجب الطلاق؟

الجواب:

فقال الشيخ: هذا من الشيطان ، أن يتوهم الإنسان في زوجته انحرافاً في سلوكها وأخلاقها ، والواجب عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، وألا يلقي لهذه الوساوس بالاً.

وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، إن امرأتي ولدت غلاماً أسود. يُعَرِّضُ بها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: من أين أصابها ذلك؟ فقال الرجل: لعله نزعه عرق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: وابنك هذا لعله نزعه عرق .

فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل هذا لا يوجب الشك في المرأة، مع أنه أمر قد يحدث الشك للإنسان إذا أتت امرأته وهي بيضاء وهو أبيض بولد أسود ، فإنه لا شك سوف يحدث عنده بعض الشك ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم طرد هذا، بأنه لعله يكون نزعه عرق من أجداده السابقين من أبيه أو أمه .

فإذا كان هكذا في مثل هذه الصورة التي قد يقوى فيها الشك ، فما سواها من باب أولى.

فالواجب على المرء الكف عن هذه الوساوس ، إلا إذا رأى أمراً لا يمكن الصبر عليه ، فعليه أن يحفظ زوجته أولاً ، ليصونها ولتصونه هي أيضاً ، فإذا لم يمكن ولم تستقم الحال ، وقويت التهم: فإن الأولى أن يطلقها ". انتهى

وفي حال حادثة الإفك : فإن الأمر مختلف ، حيث أن عائشة رضي الله عنها بعدما تأخرت خلف الجيش تبحث عن عقدها ، ثم رجعت إلى مكان الجيش فلم تجد أحدا ، فنامت ، ثم رآها صفوان بن المعطل وكان خلف الجيش ، ثم جاء بها ، فلما رآها المنافقون جاءت وحدها مع صفوان في نحر الظهيرة ، وجدوها فرصة ليؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطعنوا في عرضه ، حتى خاض الناس في ذلك .

وكان منهم حسان بن ثابت ومسطح وهو من أهل بدر ، هذا مع شدة غيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأخر نزول الوحي ، كل هذا جعل الأمر محنة وابتلاء ؛ أما أن يشك المرء في امرأته دون شيء ؛ فهذا لا يجوز قطعا .

ثم هناك فرق عظيم بين حدوث نوع شك لأجل ما وقع ، على الخلاف السابق في ذلك ، وبين أن يتهم الرجل زوجته ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتهم عائشة قط بالفاحشة ، بل كان الراجح عنده براءتها مما قيل فيها .

ومن اتهم زوجته وجب عليه الإتيان بأربعة شهود ، أو الملاعنة كما هو معلوم .

ثالثا : وأما موقف علي رضي الله عنه ، فإنه لا يشينه ، ولم يكن كرها لعائشة رضي الله عنها كما يشيع الروافض ، وإنما كانت مشورته بأمرين : إما أن يفارق زوجته ليستريح خاطره حتى نزول الوحي فيراجعها بعد ذلك ، أو يتثبت من الأمر بسؤال الجارية ، وهذا يدل على أنه لم يجزم بفراقها .

ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية كان قولها تأكيدا على طهارة أم المؤمنين ، خرج على الناس يقول :( مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا ، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا ، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي )

والذي حمل علي بن أبي طالب على ذلك أنه أراد أن يريح خاطر النبي صلى الله عليه وسلم ، ويزيل عنه الهم والقلق .

قال النووي في "شرح مسلم" (17/108) :" هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هُوَ الصَّوَابُ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ مَصْلَحَةً وَنَصِيحَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اعْتِقَادِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لِأَنَّهُ رَأَى انْزِعَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَتَقَلُّقَهُ ، فَأَرَادَ رَاحَةَ خَاطِرِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ أَهَمَّ مِنْ غَيْرِهِ ". انتهى

وقال ابن حجر في "فتح الباري" (8/468) :" وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي قَالَه عَليّ ، حمله عَلَيْهِ تَرْجِيح جانب النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمَّا رَأَى عِنْده من القلق بِسَبَبِ الْقَوْلِ الَّذِي قِيلَ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيدُ الْغَيْرَةِ ، فَرَأَى عَلِيٌّ أَنَّهُ إِذَا فَارَقَهَا ، سَكَنَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْقَلَقِ بِسَبَبِهَا ، إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ بَرَاءَتَهَا ، فَيُمْكِنُ رَجْعَتُهَا .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ : ارْتِكَابُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ ، لِذَهَابِ أَشَدِّهِمَا ..

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ : لَمْ يَجْزِمْ عَلِيٌّ بِالْإِشَارَةِ بِفِرَاقِهَا، لِأَنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ . فَفَوَّضَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى نَظَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ أَرَدْتَ تَعْجِيلَ الرَّاحَةِ ، فَفَارِقْهَا . وَإِنْ أَرَدْتَ خِلَافَ ذَلِكَ ، فَابْحَثْ عَنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ ، إِلَى أَنْ تَطَّلِعَ عَلَى بَرَاءَتِهَا ، لِأَنَّهُ كَانَ يَتَحَقَّقُ أَنَّ بَرِيرَةَ لَا تُخْبِرُهُ إِلَّا بِمَا عَلِمَتْهُ ، وَهِيَ لَمْ تَعْلَمْ مِنْ عَائِشَةَ إِلَّا الْبَرَاءَةَ الْمَحْضَةَ " انتهى .

وقال الألوسي في "روح المعاني" (18/117) :" وجل غرض الأمير [يعني : أمير المؤمنين عليا] ، مما ذكر أن : يسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو فيه من الغم ، غاية ما في الباب : أنه لم يسلك في ذلك مسلك أسامة ؛ وهو أمر غير متعين " انتهى .

خامسا : أما قول عائشة رضي الله عنها :" ولا أحمد إلا الله " .

فإن ذلك كان منها إدلالا ، كما يفعل الحبيب بحبيه ، إذا لم يجد منه ما يريد ، فإنها كانت ترجو من النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتوقف في أمرها ، بل أن يبادر بتكذيبهم ، ويعلن براءتها دون انتظار الوحي ، فلما نزل الوحي ، أفردت الله تعالى بالحمد .

قال ابن حجر في "فتح الباري" (8/477) :" وَعُذْرُهَا فِي إِطْلَاقِ ذَلِكَ مَا ذَكَرَتْهُ : مِنَ الَّذِي خَامَرَهَا مِنَ الْغَضَبِ ، مِنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يُبَادِرُوا بِتَكْذِيبِ مَنْ قَالَ فِيهَا مَا قَالَ ، مَعَ تَحَقُّقِهِمْ حسن طريقتها .

قَالَ بن الْجَوْزِيِّ : إِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ إِدْلَالًا ، كَمَا يُدِلُّ الْحَبِيبُ عَلَى حَبِيبِهِ .

وَقِيلَ : أَشَارَتْ إِلَى إِفْرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهَا : ( فَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي ) ؛ فَنَاسَبَ إِفْرَادُهُ بِالْحَمْدِ فِي الْحَالِ ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْكُ الْحَمْدِ بَعْدَ ذَلِكَ " انتهى .

وختاما :

ففي حادثة الإفك من الدروس والعبر الخير الكثير ، وصدق الله القائل في شأنها :  إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ   النور/11.

والله أعلم 

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات