الأحد 21 رمضان 1440 - 26 مايو 2019
العربية

ما مدى صحة مقولة؛ الشر يعم و الخير يخص؟

286734

تاريخ النشر : 08-09-2018

المشاهدات : 4789

السؤال

ما حكم عبارة الشر يعم والخير يخص ؟ وهل هناك علاقة بينها وبين ما في الكتاب والسنة من أن الذنب إذا فشى ولم يحصل معه إصلاح فإن الله يهلكهم ؟

نص الجواب

الحمد لله

لا نعلم قائل هذه الكلمة وما قصده منها، لكن المشهور عند الناس في استعمال هذه اللفظة أنهم يبررون بها العقاب الجماعي، فالأستاذ أو المدير في العمل قد يعاقب من تحت مسؤوليته عقابا جماعيا بسبب تصرفات آحادهم، ظنا منه أن في ذلك مصلحة، ويبرر تصرفه هذا بهذه المقولة: "الشر يعم والخير يخص".

وبناء على هذا؛ فهذه العبارة بهذا المفهوم لا شك في بطلانها.

فالأصل في الجزاء بالثواب والعقاب في الجزاء الشرعي المطلوب في الدنيا، أو الجزاء في الآخرة، كل ذلك لا يتحمّله إلا صاحب العمل.

قال الله تعالى:  مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ   فصلت /46.

ولا يجازى على السيئة من لا علاقة له بها.

  وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى   الأنعام/164.

وهذه قاعدة شرعية ثابتة في الثواب والعقاب، فالشخص الذي يعاقب البريء، فإنه ظالم له.

قال ابن العربي رحمه الله تعالى: " الأدلة القاطعة قد قامت على أن أحدًا لا يعاقب بذنب أحدٍ ؛ لا على العموم ولا على الخصوص " انتهى من "القبس" (3 / 1174).

ثانيا:

لا ينتقض هذا بالنصوص الدالة على أن آثار الذنوب قد تعم في الدنيا الصالح والطالح.

كقوله تعالى:  وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ   الأنفال/25 .

وكحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  "  يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ.

قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟

قَالَ: يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ "   رواه البخاري (2118) ، ومسلم (2884).

بل هذه النصوص وأمثالها تنقض هذه المقولة من ثلاث جهات:

الجهة الأولى:

هذه المقولة تدّعي في ظاهرها أن كل شر يعمّ أثره، الفاعل له ، وغير الفاعل.

بينما النصوص توضّح أن أثر الشر يعمّ الجميع في الدنيا، إذا كان هذا الشر هو الغالب والعام على الناس، وليس كل شرّ يعم أثره.

عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ -وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا-.

قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟

قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ "  رواه البخاري (3346) ، ومسلم (2880).

والخبث في المجتمعات من طبعه أنه يكثر إذا تظاهر الناس بالمنكر ، خاصة ممن لهم تأثير في المجتمع، فيتتابع العوام فيه، ويقلّد بعضهم بعضا.

روى الإمام مالك في "الموطأ" (5 / 1443) عن عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قال: كَانَ يُقَالُ:  " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ الْمُنْكَرُ جِهَارًا، اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ ".

ففي هذه الحال سبب عموم العقوبة : هو أن كثرة الشر على هذا الوجه علانية ، هو نتاج معصية ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذلك يهلك البعض عقوبة لهم على مباشرتهم لذلك الشر، ويهلك البعض الآخر ، عقوبة لهم على تركهم النهي عن المنكر.

قال ابن العربي رحمه الله تعالى: " وتحقيق القول في ذلك أن الله قال: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) ، وقال: ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ).

فقد أخبرنا ربنا أن كل نفس بما كسبت رهينة، وأنه لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد، وإنما تتعلق كل عقوبة بصاحب الذنب، بيد أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عنه فكلهم عاص، هذا بفعله، وهذا برضاه به.

وقد جعل الله ، في حُكمه وحِكْمته ، الراضيَ بمنزلة العامل؛ فانتظم الذنب بالعقوبة، ولم يتعد موضعه، وهذا نفيس لمن تأمله " انتهى من "أحكام القرآن" (2 / 847).

وقال الشيخ المفسّر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:

" المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره؛ هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب، صالحهم وطالحهم، وبه فسرها جماعة من أهل العلم، والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك، كما قدمنا طرفا منها " انتهى من "أضواء البيان" (2 / 203).

بينما هذه المقولة مضادة لهذه النصوص ، فهي إنما تقال عادة لتسويغ معاقبة البريء ، ولو كان مجتهدا في عمله ، غير راض بالتقصير الحاصل من بقية زملائه ، الذين ليس له عليهم سلطة، ولا يمكنه منعهم من تقصيرهم، فتكون معاقبته معهم ظلما محضا.

الجهة الثانية:

المقولة تنص على أن الخير لا يعمّ أثره، بينما نصوص الوحي تشير إلى أنه يعمّ أثره أيضا، فكما الشر قد يعم أثره إذا كثر أصحابه، فالخير أيضا يعمّ أثره إذا كثر أصحابه.

قال القرطبي رحمه الله تعالى: " قال علماؤنا رحمة الله عليهم: قولها: ( أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث ).

دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون " انتهى  من "التذكرة" (3 / 1062).

الجهة الثالثة:

أن الصالح القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أصابه العذاب العام؛ فإنه يحل به على سبيل الابتلاء لا على سبيل العقوبة؛ فالعذاب أعم من أن يكون عقابا، فقد يكون شهادة.

قال أبو المطرف القنازعي رحمه الله تعالى:

" وحديث عمر بن عبد العزيز : يدل على أنه من غيَّر على أهل المعاصي بلسانه أو بقلبه : لم يُعذَّب بعذاب العامَّة، إلا عند ظهور المنكر، وغلبة السفهاء، فتكون حينئذ العقوبة نازلة بأهل المنكر، ويكون موت الصالحين شهادة لهم، لإنكارهم على العصاة المستحلين للمحارم " .

انتهى من "تفسير الموطأ" (2 / 779).

فالعذاب الذي يحله الله بالمؤمن غير المقصر ليس شرا بل هو خير، فالمؤمن يلحقه في حقيقة الأمر الخير وليس الشرّ.

عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:   عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ  رواه مسلم (2999).

الجهة الرابعة:

أن مستعمل هذه المقولة في معاقبة البريء قد حاد عن شرع الله تعالى، فقد ترك ما أُمر به شرعا من معاملة الناس على حسب ما يظهر منهم وأن البريء لا تجوز معاقبته، وفي مقابل ذلك فعل مالم يُؤمر به وما لا طاقة له عليه  لأنه من خصائص الله تعالى؛ فالله تعالى إذا عاقب عقابا عاما؛ فلأنه يعلم ببواطن الأمور وما حصّل في الصدور؛ ويستطيع أن يعم الناس ببلاء ويقبضهم إليه جميعا، لكنه يصدرهم بعد ذلك مصادر شتى بحسب ما في قلوبهم، كما سبق في الحديث "  قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ:  يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ   ".

وحاصل ذلك :

أن نزول البلاء العام بالناس ، بما أصاب السفهاء والمفسدون منهم : لا يلزم أن يكون "عقابا" لأهل الخير والصلاح ، بل هو "ابتلاء" من الله لهم ، وقد يكون فيه رفعة لدرجاتهم ، أو كرامة لمن شاء الله منهم بمنازل الشهداء ، ونحو ذلك .

وأصل الفهم هنا : أن يفرق بين ما يقدره الله على عباده ، وما شرعه لهم .

فإن الله جل جلاله : إذا قدر المرض ، أو الموت ، أو البلاء على عباده ، بمقتضى حكمته ، وربوبيته العامة ؛ لم يكن في ذلك حجة لأهل الظلم والعدوان على عباد الله ، أن يؤاخذوا الناس بما لم يعملوه ، أو يعاقبوهم على ما لم تقترف أيديهم ؛ بل شرع الله لهم ، وللناس عامة : وجوب العدل لكل أحد ، على كل أحد !!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" فالعدل مأمور به في جميع الأعمال ، والظلم منهي عنه نهيا مطلقا.

ولهذا جاءت أفضل الشرائع والمناهج بتحقيق هذا كله ، وتكلميه .

فأوجب الله العدل ، لكل أحد ، على كل أحد ، في كل حال !!

كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا " .

انتهى من "الرد على المنطقيين" (425) .

والله أعلم.


 

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات