الثلاثاء 16 ربيع الآخر 1442 - 1 ديسمبر 2020
العربية

إذا زنت المتزوجة فهل تستبرئ بحيضة وهل تخبر زوجها؟

289951

تاريخ النشر : 29-09-2018

المشاهدات : 66321

السؤال

تقولون : إن الزانية المتزوجة ليس عليها شئ إن تابت ، ويسقط من عليها الحد ، وعليها أن تستر على نفسها ، وهكذا ضاع عرض الزوج ، وتقولون : إن ابن الزنا ينسب إلى الزوج ، وهكذا ضاع نسبه وعرضه ، أيظلم الله عباده يغفر للزانية المتزوجة ، والزوج يشرب من البحر ؟

الجواب

الحمد لله.

أولا:

المرأة المتزوجة إذا زنت ، فقد ارتكبت إثما عظيما، وفاحشة منكرة ، واستحقت عقوبة بالغة ، وهي الرجم بالحجارة حتى تموت ، إذا ثبت زناها بالبينة أو الاعتراف ، كما في حديث الغامدية.

فإذا لم يثبت زناها بالبينة (الشهود) فالأولى لها أن تستر نفسها، وتتوب فيما بينها وبين ربها.

وهذا ليس خاصا بها، بل الرجل الزاني كذلك يندب إلى ستر نفسه ، لقول النبي  صلى الله عليه وسلم:  اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عز وجل عنها، فمن ألمّ فليستتر بستر الله عز وجل والحديث رواه البيهقي وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم (663) .

وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  رواه مسلم (2590).

ولا يضيع حق زوجها بذلك؛ فإنّ زنى المتزوجة يتعلق به جرمان، أحدهما في حق الله تعالى، والثاني في حق الزوج وتلويث فراشه.

فإن تابت من الأول ، بقي حق الزوج ، فيرجى لها بتوبتها وصلاحها أن يرضي الله عنها زوجها يوم القيامة ، أو إذا حصلت المقاصة والمحاسبة أن تزيد حسناتها على سيئاتها.

وهذا كالقاتل إذا تاب ، فإن حق المقتول لا يضيع ، وسواء اقتص أولياء الدم من القاتل ،  أو عفوا عنه-فهذا حقهم- ، ولا يسقط بذلك حق المقتول ، ويرجى أن يرضيه الله يوم القيامة ، إذا تاب القاتل توبة نصوحا.

فهكذا المرأة الزانية إذا تابت.

والبديل عن ذلك : أن تُلزم بفضح نفسها، والاعتراف لزوجها، فتشيع الفاحشة في المجتمع، ويتساهل الناس فيها لكثرة سماعهم لها، وتنهار بيوت بما فيها من أولاد ، كان يمكن أن يعيشوا في كنف الأبوين ، ويعيّر هؤلاء الأولاد بأمهم ما عاشوا ، وقد يثور الزوج فيقتل الزوجة أو من زنى بها، وقد يفعل ذلك أحد أوليائها.

فالفضيحة والاعتراف قد ينشأ عنها القتل ، والضياع والذل للأولاد ، بل ولأولادهم ، فضلا عن إخوان المرأة ومن يتصل بها.

فمن تأمل هذه الأمور، علم أن ما جاءت به الشريعة من الدعوة للتوبة مع الستر هو خيرها وأقلها مفسدة.

ثانيا:

إذا زنت المرأة المتزوجة، فهل يلزمها الاستبراء بحيضة؟ أو بثلاث حيض؟ أو لا يلزمها ذلك؟

في هذا قولان لأهل العلم.

فمنهم من قال: يلزمها الاستبراء ( قيل : ثلاث حيض كالعدة . وقيل : حيضة واحدة يحصل بها استبراء الرحم) ، فلا تمكن زوجها من الوطء حتى تحيض ، ولها أن تتعذر بأي عذر أو تذهب إلى أهلها، فإن ظهر أنها حامل من الزنا، لزم إخباره، لأن الولد لا ينسب له ، ولا ينتفي نسب الولد إلا باللعان، وإلا فالأصل أن الولد للفراش.

قال في "الإنصاف" (9/295) : " . فائدة : إذا وُطِئت امرأتُه أو سُرِّيَتُه بشبهة أو زنا : حرمت عليه حتى تعتد .

وفيما دون الفرج وجهان ... أحدهما : لا تحرم عليه . وهو الصواب " انتهى .

وقال في "التاج والإكليل" (5/516) : " وأما الحرة الزانية ، أو المُغتَصبة : فلا يحل لها أن تتزوج ، ولا لزوجها أن يطأها حتى ينقضي استبراؤها بثلاث حيض" انتهى .

وقال الدسوقي في حاشيته (2/ 471): " قال في الجلاب: وإذا زنت المرأة أو غصبت وجب عليها الاستبراء من وطئها بثلاث حيض ، وإن كانت أمة استبرئت بحيضة ، كانت ذات زوج أو غير ذات زوج " انتهى.

والقول الثاني: أنه لا يلزمها الاستبراء ، بل تتوب إلى الله تعالى، ولا تخبر زوجها.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " القول الثالث: أنها لا عدة عليها ولا استبراء، وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي ـ رضي الله عنهم ـ وهو مذهب الشافعي .

وهذا القول أصح الأقوال ، لكن إن حملت ، على هذا القول ، لم يصح العقد عليها حتى تضع الحمل؛ لأنه لا يمكن أن تُوطأ في هذه الحال؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم (نهى أن توطأ ذات حمل حتى تضع).

والفائدة من ذلك : أنها إذا كانت ذات زوج ، ما نقول للزوج : تجنبها إذا زنت مثلاً، بل نقول: لك أن تجامعها، ولا يجب عليك أن تتجنبها، إلا إن ظهر بها حمل ، فلا تجامعها، أما إذا لم يظهر بها ، فإنها لك.

فلو قال قائل: ألا يحتمل أن تكون نشأت بحمل من وطء الزنا؟

نقول: هذا الاحتمال وارد، لكن قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فما دمنا ما تيقّنا أنها حملت من الزاني ، فإن الولد يحكم بأنه للفراش، وإذا حملت من الزاني ، وقلنا لزوجها: لا تطأها، فإنه يجوز أن يستمتع بها بغير الوطء ؛ لأنها زوجته، وإنما منع من الوطء من أجل أن لا يسقي ماءه زرع غيره " انتهى من "الشرح الممتع" (13/ 232).

وقال: في (13/ 382): " بل إن القول المروي عن أبي بكر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم : أن المزني بها لا عدة عليها إطلاقاً ، ولا تُستبرأ، لا سيما إذا كانت ذات زوج؛ لقول الرسول عليه الصلاة السلام: (الولد للفراش)، بل ينبغي للإنسان إذا علم أن زوجته زنت ـ والعياذ بالله ـ وتابت ، أن يجامعها في الحال ، حتى لا يبقى في قلبه شك في المستقبل هل حملت من جماع الزنا أو لم تحمل؟ فإذا جامعها في الحال ، حمل الولد على أنه للزوج وليس للزاني .

أما إذا كانت المرأة الزانية ليس لها زوج ، فلا بد أن تستبرئ بحيضة على القول الراجح " انتهى.

وبهذا القول أفتى الشيخ ابن باز رحمه الله، واللجنة الدائمة.

ينظر: "فتاوى الشيخ ابن باز" (21/205) ، "فتاوى اللجنة الدائمة" (20/339) .

وينظر السؤال رقم : (94820) ، (95024) .

وبكل حال فهذه مسألة عظيمة، والنظر فيها دقيق، ونسأل الله تعالى أن يعافينا، وأن يجنبنا والمسلمين هذا البلاء.

ونوصيك بطلب العلم، والتحلي بالرفق، فإن ذلك مفتاح الخير، ولا ينبغي للإنسان أن يهجم على المسائل، ولا أن يخوض في المشكلات ، إذا كان في أول الطلب، وليحسن الظن بالعلماء، وليسأل الله حسن الفهم ، والتوفيق للصواب ، وأن يؤتيه الحكمة وفصل الخطاب ، ويطهر قلبه من حمية الجاهلية ، ولسانه من فُحْش القول وبَذاء اللسان !!

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب