اشتراط الزيادة على الدين عند العقد أو عند تعثر المدين في السداد: ربا مجمع على تحريمه، لا يتقيد بوجود الظلم أو الاستغلال أو الحاجة.
أنواع الربا، وهل يشترط في الربا وجود الظلم أو الحاجة أو الاستغلال؟
السؤال: 299707
هل الربا المقصود في الإسلام هو: الزيادة المشروطة على المال عند رده أيا كان ميعاد الرد؟ أم هو الزيادة على المال عند تعثر السداد في الميعاد المحدد؟
أي هل كان يقصد بتحريم الربا منع استغلال الدائن للمدين؟
والغرض من السؤال هو: الرد على حجة أن الربا المحرم كان محرما؛ لأنه كان استغلالا لحوائج الناس، بينما فوائد البنوك حاليا ما هي إلا نصيبك من تجارتهم التي أشركوا مالك بها، ولا يوجد في هذه الحالة استغلال من طرف لآخر؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
الربا نوعان:
1-ربا الديون، ويكون باشتراط زيادة على الدين، سواء شرط ذلك عند العقد، أو طلب عند التعثر في السداد.
وأكثر ربا الجاهلية كان من هذا النوع، وهو ظلم واستغلال لحاجة المدين في الغالب، ولهذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) البقرة/278، 279.
وقد يرضى المدين بالربا، ولا يشعر بالظلم، كمن يستدين بالربا ليستثمر المال ويربح أكثر مما يدفعه في الربا، فلا يشترط أن يشتمل الربا على الظلم، ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم موكل الربا والكاتب والشاهد، مع أن هؤلاء لا يظلمون، لكنهم يشاركون في الحرام.
روى مسلم (1598) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ).
وأجمع المسلمون على تحريم اشتراط الزيادة في القرض، ولم يشترطوا حصول الظلم.
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (3/241): " وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم: أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضةً من علف - كما قال ابن مسعود - أو حبة واحدة" انتهى.
وقال ابن قدامة رحمه الله: " وكل قرض شرط فيه أن يزيده: فهو حرام، بغير خلاف.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُسلف، إذا شرط على المستسلف، زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك= أن أخذ الزيادة على ذلك ربا.
وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة " انتهى من "المغني" (6/ 436).
والبنك الربوي يمارس الربا من جهتين: جهة أن يكون مقرضا يطلب الزيادة، ويظلم غالبا. وجهة أن يكون مقترضا برضاه واختياره، وهو يربح من فرق العمليتين.
وقد أجمع علماء العصر على أن الإيداع في البنك الربوي: قرض محرم، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ.
جاء في قرار مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر سنة 1385 هـ الموافق 1965 م، والذي ضم ممثلين ومندوبين عن خمسة وثلاثين دولة إسلامية: " الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين: " الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي، وما يسمى بالقرض الإنتاجي؛ لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين ...
الحسابات ذات الأجل، وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض بفائدة: كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة " انتهى.
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي رقم: 133 (7/ 14) بشأن موضوع مشكلة المتأخرات في المؤسسات المالية الإسلامية، المنعقد في دورته الرابعة عشرة في الفترة من 8 إلى 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 - 16 كانون الثاني (يناير) 2003 م، ما يلي:
"جـ ـ فوائد البنوك التقليدية من الربا المحرم شرعا:
إن فوائد البنوك على الودائع من الربا المحرم شرعا في الكتاب والسنة، وهو ما تضافرت عليه القرارات والفتاوى منذ المؤتمر الإسلامي الثاني لمجمع البحوث الإسلامية المنعقد بالقاهرة في المحرم 1385 هـ / مايو 1965 م، وحضره خمسة وثمانون فقيها من كبار علماء الأمة، وضم ممثلين لخمس وثلاثين دولة إسلامية، ونص في بنده الأول على أن: الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم.
وتعاقبت بعد ذلك قرارات وتوصيات مؤتمرات عدة منها:
-المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة عام (1396 هـ / 1976 م) والذي حضره أكثر من ثلاثمائة من علماء وفقهاء وخبراء في الاقتصاد والبنوك، وقد أكد على حرمة فوائد البنوك.
-المؤتمر الثاني للمصارف الإسلامية المنعقد في الكويت (1403 هـ / 1983 م) وقد أكد على المعنى نفسه.
-مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره الثاني بجدة في ربيع الآخر 1406 هـ / ديسمبر 1985 م في قراره رقم 10 (10/ 2)، وقد نص على أن: كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حل أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الفائدة على القرض منذ بداية العقد، هاتان الصورتان ربا محرم شرعا.
-المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، الذي أكد في دورته التاسعة المنعقدة عام (1406 هـ / 1986 م) على أن كل ما جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعا.
-لجنة الإفتاء بالأزهر التي أكدت على حرمة عوائد شهادات الاستثمار (أ، ب) لأنه من باب القرض بفائدة، والقرض بفائدة ربا، والربا حرام.
-فتوى فضيلة المفتي ـ آنذاك ـ الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي في (رجب 1409 هـ / فبراير 1989 م) تنص على أن: إيداع الأموال في البنوك أو إقراضها أو الاقتراض منها، بأي صورة من الصور، مقابل فائدة محددة مقدما: حرام.
-يضاف إلى كل ما سبق ذكره فتاوى العديد من الهيئات العلمية: كالمجامع الفقهية في البلدان الإسلامية، ولجان الفتوى، والندوات والمؤتمرات العلمية، وفتاوى أهل العلم والمختصين في شؤون الاقتصاد وأعمال البنوك في العالم الإسلامي، كلها أكدت على هذا المعنى بحيث تشكل في مجموعها إجماعا معاصرا لا تجوز مخالفته على تحريم فوائد البنوك " انتهى من "قرارات مجمع الفقه الإسلامي" ص 240 ترقيم الشاملة.
وجاء في قرار "مجمع الفقه الإسلامي" في قراره رقم: 86 (3/ 9) بشأن الودائع المصرفية (حسابات المصارف):
" أولاً: الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية)، سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية أو البنوك الربوية: هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المتسلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها، وهو ملزم شرعاً بالرد عند الطلب. ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك (المقترض) مليئاً.
ثانياً: إن الودائع المصرفية تنقسم إلى نوعين بحسب واقع التعامل المصرفي:
أ- الودائع التي تدفع لها فوائد، كما هو الحال في البنوك الربوية، هي قروض ربوية محرمة، سواء أكانت من نوع الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية)، أم الودائع لأجل، أم الودائع بإشعار، أم حسابات التوفير.
ب - الودائع التي تسلم للبنوك الملتزمة فعلياً بأحكام الشريعة الإسلامية، بعقد استثمار على حصة من الربح: هي رأس مال مضاربة، وتنطبق عليها أحكام المضاربة (القراض) في الفقه الإسلامي، التي منها عدم جواز ضمان المضارب (البنك) لرأس مال المضاربة" انتهى.
2-النوع الثاني من أنواع الربا: ربا البيوع.
وهو الزيادة أو التأجيل في مبادلة أصناف معينة، كما روى مسلم (1587) عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ).
ويلحق بذلك ما شارك هذه الأصناف في العلة.
وينظر: جواب السؤال رقم: (279825).
وهذا النوع من الربا يقع بالتراضي، فلا ظلم فيه.
روى البخاري (2302) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا، فَقَالَ: إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ، فَقَالَ: لاَ تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا، وَقَالَ فِي المِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ.
أي أن الربا يجري في الموزونات، كما يجري في المكيلات.
وروى البخاري (2145) ومسلم (2985) عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: (أَوَّهْ، أَوَّهْ؛ عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا!! لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ، فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِهِ).
فهذا ربا حصل بالتراضي، فكيف يقال: إنه لا يكون الربا إلا مع الظلم، أو استغلال حاجة المدين.
ثانيا:
البنك الربوي لا يستثمر ولا يتاجر إلا في النادر، ووظيفته الأساسية هي العمل في الديون قرضا واقتراضا، ولو زعم الاستثمار فشروط الاستثمار الصحيح لا تتوفر فيه؛ لأنه يضمن رأس المال، ويحدد الربح نسبة من رأس المال، ويستثمر في إقراض الآخرين بالفائدة، أي يستثمر المال في الربا.
وينظر في شروط الاستثمار: جواب السؤال رقم: (113852).
والمال إذا كان مضمونا، كان قرضا، فإذا شرطت فيه الزيادة: كان ربا، وقد سبق في قرار مجمع الفقه تكييف هذه الودائع بأنها قروض.
وقال الشيخ الأزهر الشيخ جاد الحق على جاد الحق رحمه الله، في فتوى له في صفر 1401 هجرية - 29 ديسمبر 1980 م:
"الفوائد المسؤول عنها التي تقع في عقود الودائع في البنوك، وفي صناديق التوفير في البريد، وفي البنوك، وفي شهادات الاستثمار: محددة المقدار بنسبة معينة من رأس المال المودع، وكانت الوديعة على هذا من باب القرض بفائدة، ودخلت في نطاق ربا الفضل، أو ربا الزيادة، كما يسميه الفقهاء، وهو محرم في الإسلام، بعموم الآيات في القرآن الكريم، وبنص السنة الشريفة وبإجماع المسلمين، لا يجوز لمسلم أن يتعامل بها أو يقتضيها؛ لأنه مسؤول أمام الله عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؛ كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي (رواه الترمذي)، ونصه: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن عمله فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه" (صحيح الترمذي) ج 9 ص 253 في أبواب (صفة القيامة والرقائق والورع). والله سبحانه وتعالى أعلم" انتهى.
ومن عجيب أمر المبيحين للإيداع في البنوك الربوية بحجة الاستثمار، أنهم يحرمون إقراض البنك للعملاء بالفائدة، فإذا كان هذا حراما، فكيف لا يحرم إعطاء المال للبنك ليقوم بوظيفته المحرمة!
والحاصل:
أن الربا بنوعيه لا يتقيد تحريمه بوجود الظلم، أو الاستغلال، فلو تراضى عليه الطرفان فهو محرم إجماعا.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟