الأحد 16 رجب 1442 - 28 فبراير 2021
العربية

سجود التلاوة في المقبرة

317293

تاريخ النشر : 24-12-2019

المشاهدات : 2111

السؤال

إذا كنت أقرأ القرآن في المقابر، وأتت آية بها سجدة، فهل يجوز السجود أم لا، على العلم بأني في القبور؟

الجواب

الحمد لله.

أولًا :

"المقبرة في اللغة موضع القبور، والقبور جمع قبر، وهو المكان الذي يدفن فيه الميت. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي" انتهى من "الموسوعة الفقهية الكويتية" (38/ 346).

والصلاة في المقبرة محرمة وباطلة ، سواء كانت فريضة أو نافلة ، والدليل على ذلك :

قول النبي صلى الله عليه وسلم :  الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام  رواه الترمذي (317)، وابن ماجه (745)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (606) .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم :  لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد  رواه البخاري (435)، ومسلم (529) .

ولأن الصلاة في المقبرة قد تتخذ ذريعة إلى عبادة القبور ، أو إلى التشبه بمن يعبد القبور ، ولهذا لما كان الكفار يسجدون للشمس عند طلوعها وغروبها ، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوعها وغروبها لئلا يُتخذ ذريعة إلى أن تُعبد الشمس من دون الله ، أو إلى أن يتشبه بالكفار .

وينظر جواب السؤال رقم: (13490) .

قال المرداوي الحنبلي رحمه الله : "ولا تصح الصلاة في المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل ، هذا المذهب وعليه الأصحاب ، قال في "الفروع" : هو أشهر وأصح في المذهب " انتهى من "الإنصاف" (3/296) .

ثانيا:

اختلف العلماء في سجود التلاوة ، هل هو صلاة ؟ أم ليس بصلاة ، وإنما هو ذكر من الأذكار؟

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

" وقوله: الصَّلاة يعمُّ كلَّ ما يُسمَّى صلاة، سواءٌ كانت فريضةً أم نافلة، وسواء كانت الصلاة ذات ركوع وسجود أم لم تكن؛ لأنه قال: الصلاة ، وعليه فيشمل صلاة الجنازة، فلا تصح في المقبرة. لكن قد دلَّت الأدلَّةُ على استثناء صلاة الجنازة، كما سنذكره إن شاء الله ، وعلى هذا؛ فالمراد بالصَّلاة ما سوى صلاة الجنازة.

وهل يجوز السُّجود المجرَّد كسجود التِّلاوة مثلاً؛ كما لو كان الإنسان يقرأ في المقبرة ومرَّ بآية سجدة؟ ينبني هذا على اختلاف العلماء في سجود التلاوة، فمنهم من قال: إنه صلاة. ومنهم من قال: إنَّه ليس بصلاة .

فالذين قالوا: ليس بصلاة يقولون: إنه يجوز أن يسجد الإنسان سجود التلاوة في المقبرة.

والذين قالوا: إنه صلاة يقولون لا يجوز" انتهى، من "الشرح الممتع" (2/237).

وقد سبق في جواب السؤال رقم:(34668) أن سجود التلاوة ليس صلاة ؛ وعلى ذلك فلا يمنع من سجود التلاوة ، إذا عرض للقارئ، وهو في المقبرة ، لكن ينبغي عليه أن يتوقى استقبال شيء من القبور بسجوده.

ثالثا:

وأما قراءة القرآن في المقبرة ، فإن المقبرة ، ليست موضعا لقراءة القرآن ، ولا ينبغي قراءة القرآن فيها، فإن قصد القارئ نفع الميت بهذه القراءة ، أو ظن أن القراءة في المقابر أفضل من غيرها ، فذلك بدعة مذمومة .

وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم تشير إلى أن المقابر ليست محلا للعبادات كالصلاة وقراءة القرآن .

روى البخاري (432)، ومسلم (777) عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :  اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا  .

وترجم له البخاري رحمه الله : "بَابُ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ" . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" : "اسْتَنْبَطَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : (وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) أَنَّ الْقُبُورَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلْعِبَادَةِ ، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِيهَا مَكْرُوهَةً" انتهى .

وروى مسلم (780) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :  لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ  .

قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء (3/114) : "فدل ذلك على أن المقابر لا يقرأ فيها القرآن...

عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز انتهى .

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :

"القراءة عند القبور بدعة ، ولا يجوز فعلها ، ولا الصلاة عندها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولا أرشد إليه ولا خلفاؤه الراشدون؛ ولأن هذا مما يفعل في المساجد والبيوت، يقول صلى الله عليه وسلم : (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا) ، فدل على أن القبور ما يصلى عندها ، ولا يقرأ عندها" انتهى .

http://bit.ly/2NAMHWA

وقال الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه "أحكام الجنائز" (ص191) :

"وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فمما لا أصل له في السنة ...

ومما يقوي عدم المشروعية قوله صلى الله عليه وسلم : (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة) أخرجه مسلم (2 / 188) فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهي عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعا للصلاة أيضا، وهو قوله: (صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا) .

أخرجه مسلم (2 / 187) وغيره عن ابن عمر " انتهى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص 323) .

"(ولا تتخذوا بيوتكم قبورا) أي : لا تعطلوها عن الصلاة فيها ، والدعاء والقراءة ، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت ، ونهى عن تحريها عند القبور ، وهذا عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم  .... ثم ذكر رحمه الله حديثي ابن عمر وأبي هريرة المتقدمين" انتهى .

وأما من زار القبور ، فقرأ شيئا من القرآن الكريم من غير تحرٍّ منه للقراءة عند القبر، ولا قصد للمقبرة يقرأ فيها ، فهذا لا بأس به ، وإن مر في قراءته بآية سجدة ، فلا حرج عليه أن يسجد .

والله أعلم .

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب