الثلاثاء 25 ربيع الآخر 1443 - 30 نوفمبر 2021
العربية

من ارتكب جريمة ثم دخل المسجد هل يؤخذ ويعاقب وهل يفرق بين حرم مكة وغيره ؟

330097

تاريخ النشر : 20-09-2020

المشاهدات : 1085

السؤال

سؤالي يتعلق أكثر بتاريخ الإسلام ومرافق المساجد عبر التاريخ، أودّ أن أعرف ما إذا كانت هناك فترة زمنية في بعض المناطق في العالم يمكن أن يكون فيها المسجد ملاذاً قانونياً؟ أعني بذلك أنّ أيّ شخص مُذنِب بارتكاب جريمة غير القتل يمكنه أن يلجأ قانونيًا إلى أحد المساجد ليحتمي بها، حيث لا يُسمح بدخول الجيش أو الشرطة إلى الداخل، كان هذا هو الحال مع الكنائس في أوروبا الغربية، فهل كانت نفس الممارسة مُشاهَدة في المساجد؟

ملخص الجواب

 الأصل أن الجاني لو احتمى بالمسجد أُخرج منه، ولم يحصل خلاف إلا في حرم مكة، ومن استثناه قال: يضيَّق عليه حتى يخرج بنفسه.

الجواب

الحمد لله.

من أتى حدا، أو قتل نفسا، أو قطع طرفا، فإنه يؤخذ ويقام عليه الحد، ولا ينفعه دخول مسجد من المساجد، ولا يستثنى من ذلك إلا حرم مكة، عند بعض الفقهاء وهم الحنابلة، -وحرمها ما حدده إبراهيم عليه السلام ويشمل مكة ومنى ومزدلفة وجزءا من عرفة- وفيه تفصيل:

1-فإن أتى جريمته داخل الحرم، أخذ وعوقب.

2-وإن أتى جريمته خارج الحرم، ثم دخل إليه، لم يؤخذ، لكن يضيق عليه حتى يخرج، فلا يُجالَس ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى، ولا يكلمه أحد، لكن يقال له: اتق الله واخرج إلى الحل ليُستوفى منك الحق، فإذا خرج استوفي منه.

قال في "كشاف القناع" (6/ 87): "ومن قتل ، أو قطع طرفا ، أو أتى حدا خارج حرم مكة ، ثم لجأ إليه ، أو لجأ إليه) - أي حرم مكة - (حربيٌّ ، أو مرتد : لم يُستوفَ) الحد (منه) ، ولم يقتل (فيه) ، أي في حرم مكة ؛ فيحرم استيفاؤه منه ، حتى بدون قتل فيه ، لقوله تعالى: ومن دخله كان آمنا [آل عمران: 97] ؛ أي فأمّنوه، فهو خبر أريد به الأمر.

ولأنه - صلى الله عليه وسلم - حرم سفك الدم بمكة ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا : إن الله أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم .

ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: إن أعدى الناس على الله من قَتل في الحرم رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمر وحديث ابن شريح.

وقال ابن عمر: " لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته " رواه أحمد.

(ولكن لا يبايَع ولا يشارى) ، لقول ابن عباس ، (ولا يطعَم ولا يسقَى ، ولا يؤاكل ولا يشارَب) ؛ لأنه لو أُطعم أو أووي ، لتمكن من الإقامة دائما ؛ فيضيع الحق .

(ولا يجالَس ، ولا يؤوى) ، لما سبق ، (ويهجر ، فلا يكلمه أحد حتى يخرج) من الحرم ليستوفى منه الحق ، (لكن يقال له: اتق الله ، واخرج إلى الحل ليستوفى منك الحق الذي قِبلك، فإذا خرج أقيم عليه الحد) خارج الحرم. روي عن عمر وابن عباس وابن الزبير.

(فإن استُوفيَ ذلك) الحد ونحوه (منه) ، أي ممن لجأ إلى الحرم (في الحرم فقد أساء) لهتكه حرمة الحرم (ولا شيء عليه) لأنه لم يتجاوز ما وجب له.

(وإن فعل ذلك) أي قتل أو قطع طرفا أو أتى حدا أو ارتد (في الحرم استوفي منه) ما وجب بذلك (فيه) أي الحرم قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه.

روى الأثرم عن ابن عباس قال: من أحدث حدثا في الحرم : أقيم عليه ما أحدث فيه، ولقوله تعالى:  وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ  البقرة/191 . فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم، ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن المعاصي ، حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولو لم يشرع الحد فيه لتعطلت الحدود في حقهم وفاتت المصالح التي لا بد منها...

وسائر البقاع ، والأشهر الحرم وغيرها) كرمضان : (فلا تمنع إقامة حد ولا قصاص) ، لعموم الأدلة وعدم المخصص" انتهى.

وذهب أكثر الفقهاء (منهم مالك والشافعي) إلى أنه يؤخذ ، ويستوفى منه الحق والحد ، ولو دخل الحرم .

ومذهب أبي حنيفة أنه إذا كانت عقوبته القتل لم يقتل في الحرم ، وإذا كانت عقوبته دون القتل عوقب ولو في الحرم .

ينظر : "أحكام القرآن" للجصاص (2/27-29) ، "الموسوعة الفقهية" (4/ 147)، "مغني المحتاج" (5/ 279).

والحاصل :

أن الأصل أن الجاني لو احتمى بالمسجد أُخرج منه، ولم يحصل خلاف إلا في حرم مكة، ومن استثناه قال: يضيَّق عليه حتى يخرج بنفسه.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب