الأحد 23 ربيع الآخر 1443 - 28 نوفمبر 2021
العربية

حكم اطلاق لفظ "المشرّع" على الله تعالى، وعلى من يصدر القوانين الوضعية

335980

تاريخ النشر : 17-12-2020

المشاهدات : 2709

السؤال

أنا مُرتبك من مصطلح "المُشَرِّع/الشارع " (بالإنجليزية law-giver)، الذي يطلقونه على الله تعالى أو نبيه صلى الله عليه وسلم، فهل يمكن أن ندعو الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ب"المُشَرِّع" كما دعا أعضاء مجلس الشيوخ في بلادنا أنفسهم على هذا النحو؟ ما هو الموقف الإسلامي إذا وصف شخص نفسه بأنه المُشَرِّع؟

الجواب

الحمد لله.

المشرّع هو الشارع الذي يسنّ الشريعة: وهي الطريق والسّنة التي يلتزم بها ويسار عليها.

قال ابن الأثير رحمه الله تعالى:

" قد تكرّر في الحديث ذكر "الشّرع والشّريعة" في غير موضع، وهو ما شرع اللّه لعباده من الدّين: أي سنّه لهم وافترضه عليهم. يقال: شرع لهم يشرع شرعا فهو شارع. وقد شرع الله الدّين شرعا إذا أظهره وبيّنه " انتهى من "النهاية في غريب الحديث" (2 / 460).

وهذا مما اختص الله تعالى به؛ لأنه لا حاكم غيره سبحانه وتعالى، ولا شريعة إلا شريعته سبحانه وتعالى.

قال الله تعالى:  شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ  الشورى/13.

وقال الله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ الأنعام/57.

فلا يحق لأحد غيره سبحانه وتعالى أن يكون مشرّعا.

قال الله تعالى:  أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  الشورى/21.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" يخبر تعالى أن المشركين اتخذوا شركاء يوالونهم ويشتركون هم وإياهم في الكفر وأعماله، من شياطين الإنس، الدعاة إلى الكفر ( شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) من الشرك والبدع، وتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله ونحو ذلك مما اقتضته أهواؤهم.

مع أن الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، ليدين به العباد ويتقربوا به إليه، فالأصل الحجر على كل أحد أن يشرع شيئا ما جاء عن الله وعن رسوله، فكيف بهؤلاء الفسقة المشتركين هم وآباؤهم على الكفر " انتهى من"تفسير السعدي" (ص 757).

فالإخبار عن الله تعالى بأنه هو المشرّع حق.

وأجاز أهل العلم إطلاقه على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو المبلغ لشرع الله تعالى ومبيّنه.

سُئل الشيخ عبد الرحمن البراك:

" هل يجوز إطلاق لفظ "الشّارع أو الـمشرّع" للرّسول صلّى الله عليه وسلّم أم هوَ مختصّ بالله ؟

فأجاب: الله هو الشّارع، والرّسول أيضا شارع شِرْعةَ تبليغ، هو شارع، ولهذا نقول: حرّم الله وحرّم رسوله، إنَّ الله ورسوله ينهيانكم، إنّ الله حرَّم بيع الخمر، فنقول الله حرّم والرّسول حرّم، ونقول: "أحلّ الله ورسوله كذا" .

فالرّسول شارع شرعةَ تبليغٍ، مبلّغ عن الله شرعه، والفقهاء يطلقون الشّارع كأنّهم تارة يعنون به الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، كثيرا ما يريدون به الرّسول " انتهى. من:

https://sh-albarrak.com/index.php/article/11622

وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يستعمله العلماء في غير النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى:

" وفي نصوص الكتاب والسنة إسناد التشريع إلى الله تعالى، قال الله تعالى: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ... ).

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ( إن الله شرع لنبيكم سنن الهدى ) رواه مسلم وغيره. لهذا فإن قصر إسناد ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ، أخذ في كتب علماء الشريعة على اختلاف فنونهم صفة التقعيد ، فلا نرى إطلاقه على بشر حسب التتبع، ولا يلزم من الجواز اللغوي الجواز الاصطلاحي.

وإنه بناء على تنبيه من شيخنا عبد العزيز بن باز - على أن إطلاق لفظ (المشرع) على من قام بوضع نظام ... غير لائق - صدر قرار مجلس الوزراء رقم 328 في 1/ 3/ 1396 هـ بعدم استعمال كلمة (المشرع) في الأنظمة ونحوها. والله أعلم.

ونجد في هذا بحثا مطولا في كتاب: "التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية" ص / 32 - 36، وفيه مباحث مهمة. وللشيخ عبد العال عطوة اعتراضات على مؤلف الكتاب في تجويزه الإطلاق " انتهى من "معجم المناهي اللفظية" (ص 509).

وبهذا يتضح أنه إذا كان المسلمون على مر العصور يمتنعون عن إطلاق هذا اللفظ  في حق علماء الإسلام مع أنهم يجتهدون في استخراج الأحكام الشرعية من نصوص الكتاب والسنة؛ ففي حق من يشتغل بوضع قوانين وضعية ، بعيدا عن نصوص الوحي : أولى بالمنع؛ لأنه بهذا يُجعَل شريكا لله سبحانه وتعالى في الحكم والتشريع.

وقد سبق في الموقع بيان حكم من يضع التشريعات الوضعية، وهذا في جواب السؤال رقم : (118135).

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب