مقولة: “كل مولود يأتي برزقه” صحيحة من حيث الإيمان بالقدر، لكنها لا تُبيح شرعًا ترك الأسباب، ولا تبرر تضييع النفقة والرعاية.
هل يجوز تنظيم النسل بسبب ضعف الحال المادية؟
السؤال: 360506
أحد أقاربي حالتهم المادية سيئة للغاية، وهم فقراء، وأبنائهم مع تفوقهم في الدراسة إلا انه لضيق حال الأسرة لا يكلمون تعليمهم، والوالد دخله قليل، ولديه خمسة أبناء، لا يكاد يعولهم، بل إن أولاده دائما في جوع وحرمان، ويطلب من زوجته إنجاب المزيد، والمزيد من الأبناء، وكلما نصحه أحد بالاكتفاء بما لديه، يتعلل بمصطلح "يا سيدي كل عيل بيجي برزقه"، فهل ذلك يجوز؟ يعني يشرد أبناءه، ويحرمهم من حقهم في مسكن يليق بهم، وطعام، وملابس، وحقهم في التعليم بتلك الحجة، مع إن الرسول قال: (من استطاع منكم الباء فليتزوج)، أي إنه جعل الزواج ـ والذي هو أقل تكلفة بكثير من تربية الأبناء ـ للقادر، وأيضا الآية التي تقول: (لا تقتلوا أولادكم خشية إملاق)، فإنها تطبق علي الأبناء الذي بالفعل تم جلبهم إلي الحياة، فالقتل لا يكون إلا للحي، فقد تم إنجابهم بالفعل، أما خيار إنجاب أطفال أم لا فليس له علاقة بالآية، فأنا امشي في الشوارع، وأرى العديد من المشردين، وكل امرأة معها أكثر من أربعة أولاد حافي الأقدام، عليهم ثياب بالية ممزقة، يأكلون من القمامة، ثم بعدما يكبرون، يصيرون مجرمين، و مدمني مخدرات، فهل ذلك يتفق مع الدين الذي يدعو في كل شيء إلى الوسطية والاعتدال، ويقول: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
لا ريب أن الله سبحانه وتعالى قد كتب أرزاق العباد، وأن رزق الجنين يُكتب وهو في بطن أمه، كما روى البخاري (3208) ومسلم (2643)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود، رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ- : ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ.
ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ... ) الحديث .
وأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين؛ وقد تكفّل بأرزاق خلقه جميعًا، فقال سبحانه وتعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) هود/6
وقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) العنكبوت/60
وقال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) الذاريات/22، 23
فالإيمان بأن الرزق مقدَّر مكتوبٌ أصلٌ قطعيٌّ في عقيدة المسلم.
لكن هذا الأصل لا يُفهم منفكًّا عن أصلٍ آخر قررته الشريعة، وهو:
أن الله جعل للأرزاق أسبابًا، وأمر العباد بالسعي، وجعل حقوق بعض الخلق على أيدي بعض، فجعل نفقة الزوجة والأولاد واجبةً على الأب، ورتّب الإثم على التفريط فيها.
فالولد لا يستقل بطعامه ولا كسوته، وإنما يُرزق بسببٍ شرعيٍّ أوجبه الله على أبيه، وبسببٍ قدريٍّ وهو عمل الأب وكسبه.
وعليه؛ فمقولة: كل طفل يأتي برزقه صحيحة من جهة الإيمان بالقدر، لكن توظيفها لتسويغ ترك الأسباب، أو إسقاط الحقوق الواجبة: توظيفٌ غير صحيح؛ لأن التوكل ليس تركًا للأسباب، ولا ذريعةً لترك الواجب.
ثانيًا:
الكلام هنا ليس في أصل فضل كثرة النسل أو ذمه، ولا في مجرّد خوف الإنسان من ضيقٍ عارض؛ وإنما في سؤالٍ أدقّ: هل يجوز للزوجين منع الحمل أو تأخيره لأجل اعتبارٍ مالي؟ وهل كلُّ اعتبارٍ ماليّ داخلٌ في “خشية الإملاق” المذمومة؟
والاعتبار المالي نوعان مختلفان، حكمًا ومقصدًا، بحسب الدافع له:
1-فإن كان الدافع لذلك سوء الظن بالله، أو التشاؤم من الرزق، أو إرادة التفلّت من أصل مسؤولية الأولاد، أو قطع النسل بدافعٍ دنيوي محض، مع القدرة على القيام بالواجبات الأساسية، فهو من خشية الإملاق المذمومة.
والخوف من الفقر لا يبرر شرعًا اتخاذ سببٍ يفضي إلى تضييع المقصود من الزواج، أو الاعتراض على قدر الله.
وقد ذكر الحافظ ابن رجب: أن الإمام أحمد كان «ينكر عَلَى من كره كثرة الأزواج والعيال، ويستدل بحال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من كثرة أزواجهم وعيالهم ...
ولكنه يأمر مع هذا: بطلب الحلال، والكسب، والصبر عَلَى الفقر، وإن شق" "مجموع رسائل ابن رجب" (2/744 - 746) بتصرف.
وهذا المعنى جاء مقررا في هيئة كبار العلماء فقد قررت أنه (لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها).
2-وإن كان الدافع له تنظيم الإنجاب، لدفع ضررٍ واقع، أو لوجود حرجٍ معتبر في حق: بأن يغلب على الظن عدم القدرة على الوفاء بحقوق قائمة لازمة (نفقة، علاج، تربية لازمة، التعليم اللازم الذي جرى به العرف وتتوقف عليه مصلحة الولد)؛ فيكون المقصود حفظ الواجبات القائمة ومنع تضييعها، لا الاعتراض على قدر الله، ولا كراهية نعمة الولد من حيث هي، ولا خشية فقر متوقع فهذا غير مذموم، ومن هنا كان التفريق بين (التحديد والمنع الدائم) وبين (التنظيم أو التأخير المؤقت) تفريقًا معتبرًا عند أهل العلم قديمًا وحديثًا.
ويعضد ذلك:
• أن مقاصد الشريعة في حفظ النفس والنسل والمال تقتضي عدم تضييع الحقوق الواجبة للأولاد الموجودين.
• ثبوت جواز العزل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره؛ وفي الحديث الصحيح عن جابر رضي الله عنه: "كنا نعزل والقرآن ينزل" رواه البخاري (5208) ومسلم (1440)، زاد مسلم: " فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينهنا"، والعزل سبب من أسباب منع الحمل.
وفي "موعظة المؤمنين" للقاسمي (ص108):
"وَقَدْ يَبْعَثُ عَلَى الْعَزْلِ ... الْخَوْفُ مِنْ كَثْرَةِ الْحَرَجِ، بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْأَوْلَادِ، وَالِاحْتِرَازُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَبِ فِي الْكَسْبِ، وَدُخُولِ مَدَاخِلِ السُّوءِ؛ فَإِنَّ قِلَّةَ الْحَرَجِ مُعِينٌ عَلَى الدِّينِ".
وقد نقل الحافظ ابن رجب عن سفيان الثوري وغيره من السلف ترغيبهم بقلة العيال، لاسيما مع الفقر والحاجة، ويقولون: إن "قلةُ العيال أحد اليسارين"، وإن كثرة العيال قد تحمل المؤمن عَلَى طلب الرزق لهم من الوجوه المكروهة. وذكر استدلال بعضهم عَلَى فضل قله العيال بقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا عَلَى تفسير من فسره بكثرة العيال، وإن كان الجمهور عَلَى تفسيره بالجور والحيف.
ثم ذكر رحمه الله أن سفيان الثوري رحمه الله "نظر إِلَى قلة صبر الناس إِلَى ما يؤول إِلَيْهِ حالهم، عند كثرة عيالهم، من ترك الورع، والتكسب من الوجوه المكروهة، وهذا هو الغالب عَلَى الناس، لاسيما مع قلة العِلْم والصبر" ينظر: "مجموع رسائل ابن رجب" (2/744 - 746) بتصرف.
فهذا كلّه في باب الأخذ بالأسباب ودفع الحرج، لا في باب الاعتراض على قضاء الله وسوء الظن به، ولا في إسقاط واجب النفقة.
وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي (منظمة التعاون الإسلامي) قرار رقم: 39 (1/5)
بأنه: "يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان، إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعًا، بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض، بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وأن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم".
والحاصل: أن تنظيم الإنجاب ليس اعتراضًا على الرزق، إذا كان لتحقيق واجبٍ، أو دفع ضررٍ، لكنه يصبح ممنوعًا إذا انقلب إلى سوء ظن، أو تهربٍ من مسؤولية النفقة، أو قطعٍ تام للنسل.
وينظر جواب السؤال رقم: (32479).
ثالثا:
تبين مما سبق أن ثمَّة فرقًا واضحًا بين (التنظيم المالي)، و(خشية الإملاق المذمومة).
ويمكن تقريب الفرق عمليًا بثلاثة معايير:
الأول: النية والمقصد:
فالممنوع: قصد قطع النسل، أو الفرار من المسؤولية، أو سوء الظن بالرزاق.
والجائز: قصد دفع ضرر، محقق أو غالب، أو تدبير الحال رجاء التمكن من الوفاء بحقوق لازمة قائمة.
الثاني: الوسيلة والطريقة.
فالممنوع: التعقيم، أو الإزالة الدائمة للقدرة على الإنجاب، إلا لضرورة طبية تدعو إلى ذلك.
والجائز: وسيلة مؤقتة مباحة، مأمونة غالبًا، ولا تتضمن الاعتداء على حمل قائم، فلا يجوز إجهاض حملٍ قائم، لمجرد التنظيم المالي.
الثالث: الواقع العملي:
فمتى كان الواقع، أو غلبةُ الظنَّ: أن مزيد الإنجاب سيؤدي إلى تضييع نفقةٍ واجبة، أو إهمالٍ شديدٍ للرعاية؛ فهنا لا يصح شرعًا الاحتماء بعبارة "كل طفل يأتي برزقه"، بل الواجب العمل بالأسباب وحفظ الأمانة.
وبناءً على ما سبق:
إذا كانت الحال ما ذُكر: فقرٌ شديد، وعجزٌ ظاهر، وجوعٌ وحرمان، وتضييعٌ لحقوق الأولاد الموجودين؛ فليس هذا مجرد ضيق معيشة، بل هو ضرر قائم، ودفع الضرر عن الأولاد واجب.
ومن أسبابه العملية: المباعدة بين الأحمال مؤقتًا، حتى تُستدرك النفقة والتربية، ويستقر حال الأسرة. وهذا داخل في “التنظيم للحاجة” الذي أفتى به أهل العلم.
ومن يكرر الإنجاب، مع علمه أنه سيضيّع الموجودين؛ يخشى أن يدخل في التفريط بأمانة الرعاية. وفي الحديث عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري ( 7138 ) ومسلم ( 1829 ) .
وثبت في السنة التحذير الشديد من تضييع من تجب نفقته، في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته)، وفي رواية أصحاب السنن (أن يضيع من يقوت).
وينظر جواب السؤال رقم: (231777).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟