أولًا :
جرت عادة الناس باستعمال عبارة : " باع روحه للشيطان" للدلالة على أن الشخص الموصوف بهذا لا يتورع عن فعل كل ما يحبه الشيطان من ظلم وعصيان.
وأما أن الشخص يتعاقد مع الشيطان ويبع روحه له ، فهذا كذب، وخرافة، لا حقيقة لها.
ومن هذا الوهم والخرافة كذلك: أن يبيع شخص، روح شخص آخر للشيطان؛ فهذا كله كذب، ودجل. وكأن هذا من تخويف الشيطان لعباد الله، ليتسلط عليهم بعد أن يضعفوا أمامه. وقد حذرنا الله ذلك من كيد عدونا، وأمرنا أن نجعل الخوف كله من الله وحده.
قال تعالى: إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ [آل عمران: 175].
وقال تعالى: فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ 98 إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ 99 إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ [النحل: 98-100].
ثالثا:
من عقيدة الإسلام أن المسلم لا يخاف أحدا كخوفه من الله تعالى، لا الجن ولا غيرهم ، فالجن خلق من خلق الله تعالى لا يستطيعون فعل شيء إلا ما أقدرهم الله عليه ، ولا يعلمون الغيب، فقد يجهلون الشيء الذي هو قريب منهم.
كما قال الله تعالى في قصة سليمان عليه السلام:
( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) سبأ (14).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:
" فلم يزل الشياطين يعملون لسليمان، عليه الصلاة والسلام، كل بناء، وكانوا قد موهوا على الإنس، وأخبروهم أنهم يعلمون الغيب، ويطلعون على المكنونات، فأراد الله تعالى أن يُرِيَ العباد كذبهم في هذه الدعوى، فمكثوا يعملون على عملهم، وقضى الله الموت على سليمان عليه السلام، واتَّكأ على عصاه، وهي المنسأة، فصاروا إذا مروا به وهو متكئ عليها، ظنوه حيا، وهابوه.
فغدوا على عملهم كذلك سنة كاملة على ما قيل، حتى سلطت دابة الأرض على عصاه، فلم تزل ترعاها، حتى باد وسقط، فسقط سليمان عليه السلام وتفرقت الشياطين وتبينت الإنس أن الجن: ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) وهو العمل الشاق عليهم، فلو علموا الغيب، لعلموا موت سليمان، الذي هم أحرص شيء عليه، ليسلموا مما هم فيه " انتهى. "تفسير السعدي" (ص 677).
وقد قال الله تعالى في شأن السحرة : (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) .
رابعًا :
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين لنا سبيل الوقاية من أذى الجن والشياطين، وذلك بالمداومة على الأذكار، وخاصة أذكار الصباح والمساء.
عَنْ الحَارِث الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا: ... وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ ... ) رواه الترمذي (2863)، وقال: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ".
ومن ذلك تلاوة المعوذات.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَيْنِ الْجَانِّ ، وَعَيْنِ الْإِنْسِ ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ أَخَذَ بِهِمَا، وَتَرَكَ مَا سِوَى ذَلِكَ ) رواه النسائي (5494) وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي".
وعن ابْن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: ( إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ ) رواه البخاري (3371) .
وتلاوة آية الكرسي.
عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:
( وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ؛ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الحَدِيثَ -، فَقَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ ) رواه البخاري (3275).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" قوله: ( صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ ) والمعنى: صدقك في هذا القول مع أن عادته الكذب المستمر، وهو كقولهم: قد يصدق الكذوب " انتهى. "فتح الباري" (9 / 56).
خامسا :
ما دمت تعانين من هذا المرض الذي ذكرت، فلا يليق بك أن تعرضي نفسك لمزيد من المرض برؤية المقاطع التي تضرك ولا تنفعك ، بل عليك بسماع القرآن الكريم ، ورؤية المقاطع المفيدة ، وفي مثل الحالة التي تصفينها: فينبغي عليك نفسك أن تعرضي نفسك على طبيب ثقة مختص يساعدك في العلاج، وتسارعي في ذلك؛ فالمرض النفسي، مرض كمرض البدن؛ وما خلق الله داءً، إلا جعل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله.
ونسأل الله الكريم أن يتقبل توبتك، وأن يعافيك ويزيل همك وغمك.
والله أعلم.