الخميس 24 رمضان 1442 - 6 مايو 2021
العربية

ما هو ضابط الخوف على الرضيع الذي يبيح الفطر للمرأة المرضع؟

366459

تاريخ النشر : 29-04-2021

المشاهدات : 1416

السؤال

كيف أتأكد أن طفلي لا يشبع من اللبن ويجوز لي الإفطار مع العلم أنه 54 يوم ومعتمد اعتماد كلي علي وليس متوفر لدينا من يرضع لنا الاطفال ؟ لأنه قل عدد مرات تغيير حفاضه وقلت عدد ساعات نومه وزاد أسلوب بكائه عن المعتاد قبل الصيام فهل هذا سبب؟ أخشى الإفطار مع أني أشعر بالإنهاك أيضا؟

ملخص الجواب

الرخصة ثابتة في حق الحامل والمرضع بالفطر، إذا خافتا على أنفسهما، أو ولدهما. وليست الرخصة عامة؛ بل هي مقيدة بحصول المشقة، أو الضرر، أو غلبة الظن بحصول ذلك. وهذا الظن الغالب، أو الخوف المبيح للفطر: يعرف بالعلامات الظاهرة في الحالة المعينة، لا سيما مع ظهور المشقة ، أو الإنهاك على الأم . فإن لم تكن هناك علامات ظاهرة، وأشكل الأمر، فبالرجوع إلى الطبيب الثقة.

الحمد لله.

أولا:

متى يباح الفطر للحامل والمرضع؟

ثبتت الرخصة الشرعية في حق المرأة الحامل والمرضع بالفطر، إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما من أثر الصيام .

روى أبو داود (2408) والترمذي (715) والنسائي (2315) وابن ماجه (1667) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :   إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ وَالصِّيَامَ ، وَعَنْ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِع   وصححه الألباني في صحيح أبي داود.

وليس المراد بالرخصة عموم كل حامل أو مرضع، كما قد يفهم منه ، فهذا غير مراد بالاتفاق، بل المراد بذلك من تتضرر، أو تخاف الضرر من الصيام ، وهو ما عبر عنه ابن عباس رضي الله عنهما في بيان هذه الرخصة بمن(خافت)؛ يعني: على نفسها، أو ولدها .

فروى أبو داود (2318) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قَالَ كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا قَالَ أَبُو دَاوُد يَعْنِي عَلَى أَوْلادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا.

قال النووي : إسناده حسن.

قال الماوردي، رحمه الله:

" لا يخلو حال الحامل والمرضع في إفطارهما من أحد أمرين :

إما أن يفطرا لخوف وحاجة ، أم لا ؟

فإن أفطرتا بغير خوف عليهما، ولا على ولدهما ، ولا حاجة دعتهما إلى الإفطار ماسة : فحكمهما حكم المفطر عامدا ؛ في الإثم والمعصية ووجوب القضاء . فأما الكفارة فعلى اختلافهم فيها .

وإن أفطرتا لخوف ، فذلك ضربان :

أحدهما: أن يكون الخوف عليهما في أنفسهما وأبدانهما، فلا شبهة في جواز فطرهما، ووجوب القضاء عليهما، ولا كفارة ؛ كالمريض .

 والضرب الثاني: أن يكون الخوف على الولد والحمل دون أنفسهما؛ فلا خلاف أن الفطر مباح لهما... " انتهى، من "الحاوي" للماوردي (3/436).

وليس المراد بالخوف هنا : خوف الموت على الطفل، أو أمه؛ بل الخوف من حصول ضرر بهما، أو أن يجهد الصيام الأم، ويحصل لها مشقة زائدة، فوق المشقة المعتادة في العبادة.

قال الخطيب في "الإقناع" : " (وَإِنْ خَافَتَا) مِنْهُ (عَلَى أَوْلَادِهِمَا) فَقَطْ ، بِأَنْ تَخَافَ الْحَامِلُ مِنْ إسْقَاطِهِ ، أَوْ الْمُرْضِعُ بِأَنْ يَقِلَّ اللَّبَنُ فَيَهْلَكُ الْوَلَد" .

قال البجيرمي: " وَالْهَلَاكُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى حُصُولِ ضَرَرٍ بِهِ". (2/399).

وينظر للفائدة : جواب السؤال رقم (66438) ورقم (49794)

ثانيا:

ضابط خوف الحامل والمرضع المبيح للرخصة بالفطر 

ذكر الفقهاء أن المراد بالخوف المبيح للرخصة بالفطر هنا : غلبة الظن بحصول الضرر السابق ذكره.

وقد ذكروا أن هذا "الظن الغالب" يحصل بالتجربة ، أو العلامات الدالة على وقوع هذا الضرر ، أو إخبار طبيب مسلم بذلك.

وأما مجرد "التوهم" ، أو بناء الفطر على مجرد "شائعات" أو كلام من لا يعتمد على قوله، فهذا غير مبيح للفطر.

قال العلامة ابن نجيم، الحنفي، رحمه الله:

" قيد بـ(الخوف): بمعنى غلبة الظن ، بتجربة ، أو إخبار طبيب حاذق مسلم ، كما في الفتاوى الظهيرية على ما قدمناه؛ لأنها لو لم تخف لا يرخص لها الفطر ..." انتهى، من "البحر الرائق" (2/307).

وقال الحصكفي في "الدر المختار" :

" (أو حامل أو مرضع) ، أُمَّا كانت ، أو ظِئرا [الظئر: هي التي ترضع ولد غيرها] ...

(أو مريض خاف الزيادة) لمرضه ، وصحيح خاف المرض، وخادمة خافت الضعف ، بغلبة الظن ، بأمارة ، أو تجربة ، أو بإخبار طبيب حاذق مسلم ، مستور.

وأفاد في النهر تبعا للبحر جواز التطبيب بالكافر فيما ليس فيه إبطال عبادة." .

قال ابن عابدين في شرحه ـ "رد المحتار" :  

" (قوله وصحيح خاف المرض) ، أي بغلبة الظن كما يأتي، فما في شرح المجمع من أنه لا يفطر: محمول على أن المراد بالخوف مجرد الوهم ...

(قوله : بأمارة) أي علامة .

(قوله : أو تجربة) ، ولو كانت من غير المريض ، عند اتحاد المرض . ط عن أبي السعود .

(قوله حاذق) أي له معرفة تامة في الطب، فلا يجوز تقليد من له أدنى معرفة فيه ط .

(قوله مسلم) أما الكافر فلا يعتمد على قوله، لاحتمال أن غرضه إفساد العبادة ..

(قوله مستور) وقيل عدالته شرط. وجزم به الزيلعي . وظاهر ما في البحر والنهر ضعفه ط.

قلت: وإذا أخذ بقول طبيب ليس فيه هذه الشروط، وأفطر؛ فالظاهر لزوم الكفارة، كما لو أفطر بدون أمارة ولا تجربة؛ لعدم غلبة الظن؛ والناس عنه غافلون!! " انتهى، مختصرا، من "حاشية ابن عابدين" – رد المحتار- (2/422-423) .

وقال العلامة الشرواني في "حواشي التحفة" (3/441):

" (قوله : أن يحصل لهما من الصوم إلخ) وينبغي في اعتماد الخوف المذكور : أنه لا بد من إخبار طبيب مسلم عدل ، ولو رواية ، أخذا مما قيل في التيمم" انتهى.

ثالثا:

دراسات طبية حول تأثير الصوم على المرضع والطفل

بمراجعة عدد من الدراسات الطبية المتخصصة ـ من قبل بعض الأطباء المختصين ـ تلخص لنا ما يلي:

1- بالنسبة لمكونات اللبن: بعض الدراسات أثبتت أنه ليس هناك تأثير يذكر على مكونات اللبن خلال الصوم (يُنظر الدراسة : 1).

- وفصلت بعض الدراسات في التأثير فقالت: لا يوجد تأثير على المكونات الرئيسية الكبيرة في اللبن مثل البروتينات، والجلوكوز ونحو ذلك، وبالتالي ليس هناك تأثير كبير على الأثر الغذائي ، بينما هناك تأثير على بعض المكونات الأصغر، مثل الزنك والماغنسيوم و البوتاسيوم.

(ينظر الدراسة: 2).

- أما بالنسبة لكمية اللبن: فأغلب الدراسات تشير إلى أن الكمية اللبن لا تتأثر في عمومها، لأن أغلب الأمهات يعوضن السوائل خلال فترة الإفطار.

- وإن كان هناك بعض الدراسات أثبتت أن كمية اللبن تتأثر بالفعل في حالات الصوم أثناء الرضاع، وتحتاج الأم إلى إضافة مكونات خارجية في تغذية الطفل لتعويض النقص.

(يُنظر: دراسة 3).

2- بالنسبة لتغذية الطفل ونموه: فأغلب الدراسات تشير إلى أن الطفل لا يتأثر بالفعل من ناحية النمو ، وذلك لأن مكونات اللبن في عمومها لا تتأثر بالصوم.

(ينظر الدراسات: 2، 4).

3-  بالنسبة للحالة الصحية العامة للأم:

- أثبتت بعض الدراسات أن الحالة الغذائية العامة للأم تتأثر بالصوم مع الرضاع، لذا أوصت الدراسات بعدم الصوم أصلاً مع الرضاع، للأثر على صحة الأم .

(يُنظر الدراسة: 2).

-  إن كان هناك دراسات أخرى تعارضها، وتقول أن الحالة العامة للأم لا تتأثر.

(يُنظر دراسة: 4).

والخلاصة بالنسبة للدراسات الطبية بعد الاطلاع عليها:

أن وجهة النظر الطبية تركز على التأثر الفيسيولوجي، أو المرضي في الظاهرة محل الدراسة، ومن خلال هذا المنظور يمكن القول فعلاً: إن الصوم ليس له تأثير مرضي على الطفل ولا يؤثر على نموه، لكن كمية اللبن يمكن أن تتأثر تبعاً للحالة العامة للسوائل في جسم المرضع، فلو أمكن شرب كميات كافية من السوائل خلال الليل، فلن يكون هناك أثر كبير على كمية اللبن.

أما بالنسبة للحالة الصحية للأم: فلا شك أنها تتأثر – على وجه العموم - لأن الرضاع يعتمد على الغذاء الداخل للجسم، ومن ثم فالأم تحتاج إلى عناية بالتغذية خلال الرضاع، والإكثار من شرب السوائل كذلك. والرضاع مع الصوم، وإن لم يؤثر تأثيرا مرضيا ظاهرا، فإنه قد يؤثر بالإجهاد على الأم، خاصة لو كانت ضعيفة البنية، أو لديها مشاكل صحية أخرى.

المراجع:

1- Fasting during the holy month of Ramadan does not change the composition of breast milk, A.Benera, S.Galadarib, et al, Nutrition Research, Volume 21, Issue 6, June 2001, P: 859-864. 

2- The effect of Ramadan on maternal nutrition and composition of breast milk, Neslişah Rakicioğlu, Gülhan Samur, Ali Topçu, and Aylin Ayaz Topçu, Pediatr Int. 2006 Jun;48(3):278-83.

3- Attitudes and practices of breastfeeding mothers regarding fasting in Ramadan, I O Ertem, G Kaynak, et al, Child Care Health Dev. 2001 Nov;27(6):545-54.

4- Knowledge, attitude and practice of Saudi women in Najran area towards breastfeeding during Ramadan. Awad Mohammed Al-Qahtani, Hatem Mohamed, and Awad Mohamed Ahmed, Sudan J Paediatr. 2020; 20(1): 42–48

وقد أمدنا بالمعلومات الطبية المكتوبة هنا، ومصادرها : الدكتور محمد فرحات، وهو طبيب، مختص أيضا في الفقه الطبي، حاصل على درجتي الماجيستير والدكتوراه في الفقه وأصوله.

رابعا:

وبناء على ما سبق :

فإن محل القلق على رضاع الطفل أثناء الصوم، ينصب في مجمله على كمية اللبن التي تصل إلى الطفل أثناء النهار، وهل هي كافية لغذائه، أو يحصل لها نقص مؤثر؛ وهذا لا يجري على قاعدة واحدة ، بل يختلف باختلاف طول النهار وقصره ، وحالة اللبن عند الأم ، قلة وكثرة ؛ فإذا أمكن الأم أن تكثر من شرب السوائل في الليل، وتقلل من الإجهاد والتعرض للمشمس ونحوه، فبذلك يمكنها الصوم.

لكن إن ظهرت علامات "أمارات"، على قلة اللبن عما يحتاجه الطفل في النهار، فهنا يقوى جانب الأخذ بالرخصة.

وقد ذكر لنا بعض الأطباء المختصين في طب الأطفال، أن العلامات المذكورة في السؤال، لحالة الطفل: تؤكد حاجته إلى اللبن، وتقوي جانب الفطر في حق الأم، لا سيما في حق من كانت تشعر بالمشقة الزائدة من الإرضاع في الصوم ، إذا كان هذا مراد السائلة بشعورها بـ"الإنهاك" .

ويتأكد الأخذ بالرخصة في الفطرـ فيما أخبرنا به ـ إذا كان الطفل في الأشهر الستة الأولى، لحاجته إلى الاعتماد على لبن أمه ـ كليا ـ ، وأما بعد هذه الأشهر، فالأمر فيه أسهل، لإمكان تعويض نقص اللبن من خلال مصادر أخرى.

والخلاصة:

أن الرخصة ثابتة في حق الحامل والمرضع بالفطر، إذا خافتا على أنفسهما، أو ولدهما.

وليست الرخصة عامة؛ بل هي مقيدة بحصول المشقة، أو الضرر، أو غلبة الظن بحصول ذلك.

وهذا الظن الغالب، أو الخوف المبيح للفطر: يعرف بالعلامات الظاهرة في الحالة المعينة، لا سيما مع ظهور المشقة ، أو الإنهاك على الأم .

فإن لم تكن هناك علامات ظاهرة، وأشكل الأمر، فبالرجوع إلى الطبيب الثقة.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب