ما حكم اعتماد المبرمج على دمية البطة ومخاطبتها؟

السؤال: 409071

يوجد ظاهرة تسمى "Rubber Duck Debugging"، وهي أن يضع المبرمج على مكتبه بطة دمية للأطفال، ثم إذا واجهه صعوبة في عمله وفي كتابته للأكواد البرمجية يقوم بالتحدث مع تلك البطة، كأنها شخص حقيقي، ويقوم بشرح ما كتبه بشكل تحليلي؛ حتى تساعده تلك العملية على إدراك خطئه، أو ما يريد الوصول إليه، فهل هذا حرام أم مباح؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:
من الأساليب المعروفة عند المبرمجين وغيرهم في معالجة المشكلات الذهنية، واكتشاف الأخطاء البرمجية، ما يُسمّى بـ تصحيح البطة المطاطية (Rubber Duck Debugging)، وهو أسلوب يقوم في جوهره على إلزام النفس بشرح العمل المنجَز، أو الكود البرمجي، شرحًا تفصيليًا خطوةً خطوة وبصوت مسموع، وكأن المخاطَب شخص آخر.
وغالبًا ما يَظهر أثناء هذا الشرح والتحليل موضع الخلل أو الخطأ الذي كان خافيًا، فيتمكن المبرمج من تصحيحه، لا لأن المخاطَب قد أجابه، بل لأن عملية الشرح نفسها تُعيد ترتيب الأفكار، وتكشف التناقضات، وتُجبر الذهن على المراجعة الدقيقة.
ولما كان تعذّر وجود شخصٍ حقيقي يستمع لهذا الشرح في كل وقت أمرًا شائعًا، لا سيما مع تكرار الحاجة إليه، أو وقوعها في أوقات متأخرة من الليل أو أثناء الانفراد بالعمل، لجأ بعض المبرمجين إلى اتخاذ مخاطَبٍ رمزيٍّ، يتخيّلون وجوده أمامهم، ويُلقون عليه الشرح.
ولأن الخطاب لشخصٍ متخيَّلٍ محض قد يكون صعبًا على بعض الناس من الناحية الذهنية أو النفسية، استُخدم في هذا السياق رمزٌ محسوس، غالبًا ما يكون دميةً صغيرة – اشتهرت منها دمية البطة المطاطية – توضع على المكتب أمام المبرمج، فيبدأ بشرح عمله وكأنه يخاطب شخصًا حاضرًا.
ولا يقتصر استعمال هذه الدمية عند بعضهم على الشرح فقط، بل قد تُستعمل أحيانًا:
* كوسيلة لتنفيس التوتر والغضب الناتج عن تعقّد المشكلة.
* أو كتذكير بأهمية التوقف المؤقت، وتجديد النشاط الذهني.
* أو كوسيلة نفسية لكسر العزلة أثناء العمل الطويل.
ثانيًا:
أما التحدث إلى هذه الدمية على النحو المذكور، بقصد شرح العمل ومراجعته، فلا يخرج في حقيقته عن كونه تفكيرًا بصوت عالٍ، وهو أسلوب معروف في التعليم، والتحليل، وضبط الأفكار، وقد ثبت بالتجربة أن كثيرًا من الناس ينتفعون به في زيادة التركيز، واستحضار التفاصيل، وتقليل التشويش الذهني.
وعليه؛ فلا حرج في أصل هذا الأسلوب من حيث كونه مراجعة ذاتية صوتية، ولا يُعد ذلك من المحظورات الشرعية، ما دام الأمر خاليًا من أي اعتقادٍ فاسد، أو نسبةِ تأثيرٍ حقيقيٍّ لهذا الرمز، أو ظنِّ أنه يعين أو يفهم أو يستجيب.
كما لا يضر أن تكون المراجعة على صورة خطابٍ موجَّهٍ، ما دام المخاطَب في الحقيقة مجرد وسيلة ذهنية، لا يُقصد بها إلا ترتيب الأفكار، لا مخاطبة ذاتٍ حقيقية.
غير أن هذا لا يقتضي اتخاذ دميةٍ أو مجسّمٍ بعينه، فإن وجود الرمز المحسوس ليس له أثر حقيقي في العملية نفسها، بل المقصود هو الشرح والمراجعة، ويمكن تحقيق ذلك بغيره؛ كأن: يشرح الإنسان لنفسه دون مخاطَب، أو يناقش الفكرة مع إنسانٍ حقيقي، أو يكتب الشرح كتابة تحليلية، أو مخاطبة الذكاء الصناعي.
ثالثًا:
مما ينبغي التنبه له والتحرز منه:
* عدم تعلّق القلب بالرمز، أو ترسيخ صورة ذهنية توهم أن له دورًا حقيقيًا في الفهم أو الحل.
* عدم اتخاذ الدمية شعارًا ثابتًا أو رمزًا ذهنيًا ملازمًا، بحيث يفضي ذلك – عند بعض الناس أو الصغار – إلى نوع تعلق نفسي غير سليم.
ولهذا؛ فالأولى والأبعد عن الإشكال: أن يكون من يُخاطَب إنسانًا حقيقيًا متى تيسر، ولو لم يكن مختصًا، كولدٍ صغير، أو زوجة، أو صديق، أو زميل، فإن مجرد الشرح كافٍ في تحقيق المقصود.
وقد كان هذا المعنى معروفًا عند السلف في استذكار العلم وتثبيته بالمخاطبة، وإن لم يكن المخاطَب محتاجًا إلى الفهم.
فقد روى الخطيب البغدادي وغيره أن ابن شهاب الزهري رحمه الله كان يسمع الحديث من عروة وغيره، ثم يأتي إلى جاريةٍ له وهي نائمة فيوقظها ويقول: اسمعي: حدثني فلان كذا، وفلان كذا، فتقول: وما لي ولهذا الحديث؟ فيقول: قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعته الآن فأردت أن أستذكره.
وكان الزهري أيضًا يجمع الأعراب فيحدّثهم يريد بذلك الحفظ.
وقال إبراهيم النخعي: من سرّه أن يحفظ الحديث فليحدّث به حين يسمعه، ولو أن يحدّث به بعض من لا يسمعه؛ فإنه إذا فعل ذلك كان كالكتاب في صدره.
انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب (2/267–268)، والمدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (2/709).
والحاصل:
أن استعمال هذا الأسلوب من حيث هو مراجعة ذاتية صوتية مباح في الأصل، ولا حرج فيه شرعًا، ما دام منضبطًا بالضوابط المذكورة، وخاليًا من الاعتقاد الفاسد، أو التعلق، أو اتخاذ الرموز المصورة على وجه يفضي إلى محظور.
والأولى دائمًا اختيار الوسائل الأبعد عن اللبس، والأقرب إلى السلامة، تحقيقًا للمقصود، وسدًّا للذرائع.
والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android