أولا:
خبر امرأة أبي ذر رضي الله عنه:
رواه الإمام أحمد في " المسند" (35 / 328 – 329) والحارث بن أبي أسامة كما في "بغية الحارث" (2 / 979): عن عَفَّان، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ:
( أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ بِالرَّبَذَةِ، وَعِنْدَهُ امْرَأَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ مُشْبَعَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا أَثَرُ الْمَجَاسِدِ وَلَا الْخَلُوقِ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَا تَأْمُرُنِي بِهِ هَذِهِ السُّوَيْدَاءُ؟ تَأْمُرُنِي أَنْ آتِيَ الْعِرَاقَ، فَإِذَا أَتَيْتُ الْعِرَاقَ مَالُوا عَلَيَّ بِدُنْيَاهُمْ، وَإِنَّ خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيَّ: أَنَّ دُونَ جِسْرِ جَهَنَّمَ طَرِيقًا ذَا دَحْضٍ وَمَزِلَّةٍ، وَإِنَّا نَأْتِي عَلَيْهِ وَفِي أَحْمَالِنَا اقْتِدَارٌ ).
قال محققو المسند:
" إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي أسماء -وهو عمرو بن مرثد الرحبي- فمن رجال مسلم. همام: هو ابن يحيى العوذي، وأبو قلابة: هو عبد الله بن زيد الجرمي.
وأخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في "بغية الباحث" (1087) ، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (1/161) عن عفان بن مسلم، بهذا الإسناد " انتهى.
وأما خبر أسماء بنت عميس رضي الله عنها:
فرواه ابن سعد في "الطبقات" (8/221) عن يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد.
ورواه ابن ابي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1/78) و (5/455)، و الطبراني في "المعجم الكبير" (24/131): عن سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: (وَفَدْتُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مَعَ أَبِي فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ فَرَأَيْتُ امْرَأَةً بَيْضَاءَ مَوْشُومَةَ الْيَدَيْنِ تَذُبُّ عَنْهُ )، يُرِيدُ أَسْمَاءَ ابْنَةَ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
قال الهيثمي رحمه الله تعالى:
" رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح " انتهى. "مجمع الزوائد" (5/170).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" فأخرج الطبري بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم قال: ( دخلت مع أبي على أبي بكر الصديق فرأيت يد أسماء موشومة ) قال الطبري: كأنها كانت صنعته قبل النهي فاستمر في يدها " انتهى. "فتح الباري" (10/376).
وصححه الشيخ الألباني في "جلباب المرأة المسلمة" (ص 96).
ثانيا:
هذه الأخبار وأمثالها احتج بها من يرى أنه يجوز للمرأة أن تظهر وجهها وكفيها أمام الرجال الأجانب عنها، ويرى أن هذا الذي كان عليه العمل في عهد الصحابة رضوان الله عليهم.
لكن قد أجيب عن هذا بأن هذه الأخبار ليس فيها نص على جواز تعمد المرأة إظهار الوجه والكفين؛ لأن هذه قضايا أحوال، لها احتمالات معقولة وليست بمستبعدة، و" الاحتمال في وقائع الأحوال يسقط الاستدلال ".
فقصة أبي ذر رضي الله عنه وقعت في الربذة، وإنما نزلها أبو ذر رضي الله عنه في آخر عمره، فيحتمل أن تكون زوجته من القواعد، كما قال الله تعالى: ( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) النور (60).
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى:
" إنما أباح للعجوز وضع ردائها بين يدي الرجال، بعد أن تكون مغطاة الرأس، وأباح لها بذلك كشف وجهها ويدها؛ لأنها لا تشتهى " انتهى "أحكام القرآن" (5/196).
وأما حديث أسماء رضي الله عنها، فليس فيه النص على كشف الوجه، وإنما ذكر اليد، وليس فيه أنها كانت كاشفة ليديها قصدًا ، بل ذكر الراوي أنه رأى يدها، وهذا قد يقع من غير قصد كما هو معلوم في حياة الناس، فهي رضي الله عنها كانت في بيتها تعتني بزوجها، فلعلها كانت ساترة لهما بطول الكم، فظهر شيء من يدها من غير قصد.
وراجع للأهمية جواب السؤال رقم: (21536).
وبعد؛
فمسألة كشف الوجه، أو وجوب ستره: من مسائل الاجتهاد المعروفة، وليس الجواب عن هذه الوقائع ونحوها قطعيا، بل هو أيضا جواب اجتهادي، قد يرى الطلب توجهه، والمسألة من مسائل الخلاف السائغ بين أهل العلم، ولا حرج على من أداه نظره واجتهاده إلى تصويب أحد القولين، أو عمل بقول من يثق بعلمه ودينه، في ذلك، وأخذ بفتواه.
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (177830)، ورقم: (223245)، ورقم: (68152).
والله أعلم.