أولًا:
حارس الأمن يُعد في اصطلاح الفقهاء أجيرًا خاصًّا وأمينًا، والأصل أن الأمين لا يضمن ما سُرق أو تلف لمجرد وقوع السرقة، وإنما يضمن إذا ثبت منه تعدٍّ أو تفريط كان سببًا في حصول الضرر.
وقد نص أهل العلم على أن الحارس المستأجر لا يضمن المسروقات إلا إذا حصلت السرقة بسبب تفريطه، كما أن الأجير الخاص لا يضمن ما تلف إلا بالتعدي أو التقصير.
قال الدردير في "الشرح الكبير" (4/ 25): "(كَحَارِسٍ) لِدَارٍ أَوْ بُسْتَانٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ غَيْرِهَا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ؛ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُفَرِّطَ" انتهى.
قال الدسوقي في حاشيته عليه: " قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) أَيْ بِأَنْ يَقَعَ مِنْهُ خِيَانَةٌ ، وَقَوْلُهُ: (أَوْ يُفَرِّطَ)؛ أَيْ: بِأَنْ نَامَ اخْتِيَارًا فِي وَقْتٍ لَا يَنَامُ فِيهِ الْحَارِسُ، أَوْ تَرَكَ الْعَسَّ فِي وَقْتٍ يَعُسُّ فِيهِ الْحَارِسُ" انتهى.
ثانيًا:
نوم الحارس في أثناء وقت الحراسة قد يكون تفريطًا إذا كان قد نام باختياره، أو أهمل اتخاذ الأسباب التي تعينه على أداء عمله، وكان من شأن بقائه مستيقظًا أن يمنع السرقة أو يكشفها.
ومجرد وقوع السرقة في أثناء نومك لا يكفي وحده لإلزامك بقيمة المسروق؛ بل لا بد من ثبوت أن هذا التقصير كان سببًا مؤثرًا في وقوع السرقة أو عدم منعها.
ثالثًا:
إذا كان المكان لا يمكن عادةً حراسته بشخص واحد، وكان من المتعذر عليك الجمع بين مراقبة الشاشات والتجول وتغطية جميع منافذ المجمع، فإن التقصير لا ينسب إليك وحدك، بل تتحمل شركة الأمن مسؤولية عدم توفير العدد المتفق عليه.
ولا يصح أن تكلف الشركة عاملًا واحدًا بعمل رجلين، ثم تحمله وحده جميع ما يترتب على عجزه عن تغطية المكان.
فإن ثبت أن النوم كان تفريطًا، وكان له أثر في وقوع السرقة، فقد اجتمع تقصير من الحارس وتقصير من الشركة، وتحديد مقدار مسؤولية كل طرف يحتاج إلى تحقيق من جهة محايدة، أو تحكيم أهل الخبرة، أو القضاء.
رابعًا:
عدم توقيعك في عقد العمل على تحمل قيمة المسروقات لا يعني أنك لا تضمن مطلقًا؛ لأن الضمان عند التعدي أو التفريط ثابت بأصل الشرع، ولو لم يكتب في العقد.
وفي المقابل، لا يجوز للشركة تضمينك كل ما يسرق لمجرد أنك حارس، ولا أن تعتبرك ضامنًا للأموال في جميع الأحوال؛ لأن يد الموظف يد أمانة، فلا يضمن إلا إذا ثبت تقصيره.
والحاصل:
لا يلزمك ضمان المكيف لمجرد وقوع السرقة في أثناء دوامك، ولا لمجرد أنك كنت نائمًا، حتى يثبت أن نومك كان تفريطًا منك، وأنه كان السبب المؤثر في وقوع السرقة.
وإذا كانت الحراسة بشخص واحد غير كافية، فلا يجوز تحميلك كامل قيمة المسروق، بل المسؤولية حينئذ على شركة الأمن أو مشتركة بين الأطراف بحسب مقدار تقصير كل واحد.
والله أعلم.