أولا:
الجماع بعد التحلل الأول لا يفسد الحج، ولكنه محرَّم يوجب الفدية، ويوجب الخروج إلى الحل للإتيان بطواف الإفاضة عند بعض العلماء.
والتحلل الأول يكون بالرمي مع الحلق، أو بواحد منهما مع الطواف عند الجمهور.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن التحلل الأول يحصل بالرمي وحده، واختاره ابن قدامة رحمه الله.
قال رحمه الله في المغني (3/ 390): "ظاهر كلام الخرقي هاهنا: أن الحل، إنما يحصل بالرمي والحلق معا. وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقول الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء، إلا النساء. وترتيب الحل عليهما: دليل على حصوله بهما.
ولأنهما نسكان يتعقبهما الحل، فكان حاصلا بهما، كالطواف والسعي في العمرة.
وعن أحمد: إذا رمى الجمرة، فقد حل، وإذا وطئ بعد جمرة العقبة، فعليه دم.
ولم يذكر الحلق؛ وهذا يدل على أن الحل بدون الحلق. وهذا قول عطاء، ومالك، وأبي ثور. وهو الصحيح، إن شاء الله تعالى؛ لقوله في حديث أم سلمة: إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء، إلا النساء. وكذلك قال ابن عباس" انتهى.
فإذا كنت قد رميت وحلقت، فقد تحللت التحلل الأول على قول الجمهور.
وإذا كنت رميت فقط، فقد تحللت، على ما ذهب إليه أهل القول الثاني.
ثانيا:
كان يلزمك الخروج إلى الحل، كالتنعيم، لتطوف طواف الإفاضة؛ لفساد الإحرام بالجماع، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة.
جاء في الموسوعة الفقهية" :(2 /192) : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ بَعْدَ التَّحَلُّل الأوَّل لاَ يُفْسِدُ الْحَجَّ ....
وَوَقَعَ الْخِلاَفُ فِي الْجَزَاءِ الْوَاجِبِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ . قَالُوا فِي الاِسْتِدْلاَل : " لِخِفَّةِ الْجِنَايَةِ ، لِوُجُودِ التَّحَلُّل فِي حَقِّ غَيْرِ النِّسَاءِ .
وَقَال مَالِكٌ ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ : يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ . وَعَلَّلَهُ الْبَاجِيُّ بِأَنَّهُ لِعِظَمِ الْجِنَايَةِ عَلَى الإِحْرَامِ .
وَأَوْجَبَ مَالِكٌ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى مَنْ فَعَل هَذِهِ الْجِنَايَةَ بَعْدَ التَّحَلُّل الأوَّل، قَبْل الإفَاضَةِ: أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِل ، وَيَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ ، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ .....
وَلَمْ يُوجِبِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ" انتهى.
وإذا لم تكن خرجت إلى الحل، فيرجى لك صحة طواف الإفاضة، على القول الآخر.
وعليه؛ فقد بقي عليك ذبح شاة، توزع على فقراء مكة والحرم، ولك أن توكل من يقوم بذلك حتى تبرأ ذمتك.
وعلى زوجتك شاة كذلك، إن كانت حاجة مثلك.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله :"الوطء بعد التحلل لا يفسد الحج ، سواء كان مفردًا أو قارنًا ، وإنما يفسد الإحرام فقط ، بمعنى أنه لا يصح منه طواف الإفاضة حتى يخرج إلى الحل، فيحرم، ثم يدخل إلى مكة، فيطوف طواف الإفاضة في إحرام صحيح، ليجمع بين الحل والحرم .
وعليه؛ فدية شاة تذبح في الحرم وتطعم المساكين ولا يأكل منها شيئًا.
وعلى الزوجة فدية شاة أخرى إن كانت مطاوعة، فإن كانت مكرهة فلا شيء عليها " انتهى من "فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم" (5 /203).
وإن كانت الزوجة في منزلها في مكة، ولم تكن حاجة: فلا شيء عليها، وإنما الفدية عليك وحدك.
والله أعلم.