أولا:
السجود للسهو بعد السلام يشرع له السلام.
كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ( صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلاَتَيِ العَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاَةُ. وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ؟
قَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ.
فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟
فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ ) رواه البخاري (482) ومسلم (573).
وحديث عمران رواه الإمام مسلم (574)، فعن عِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ:
( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ، وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَصَدَقَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ).
وهذا الذي عليه جماهير العلماء.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
" وأما التسليم، فروي فعله عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، وعلقمة، والشعبي، والنخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والقاسم، وسالم، وقتادة، والحكم، وحماد.
وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ثم قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يسلم تسليمتين... " انتهى. "فتح الباري" (9 / 428 – 429).
وقال بدر الدين العيني رحمه الله تعالى:
" يسجد سجدتين، ثم يتشهد أيضا، ثم يسلم، وبه قال ابن مسعود والشعبي والثوري وقتادة والحكم وحماد والليث ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال ابن سيرين وسعد وحماد وابن أبي ليلى: يسلم، ولا يتشهد... " انتهى. "البناية" (2 / 602).
فالواجب أن يسلم من سجود السهو البعدي، لعموم الأمر في حديث مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) رواه البخاري (631).
قال الحطاب الرعيني رحمه الله تعالى:
“ قال ابن رشد في "نوازله": السلام من سجود السهو الذي بعد السلام: واجب عند مالك " انتهى. “مواهب الجليل” (2 / 279).
وسُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
“ إذا كان السجود بعد السلام هل يلزم له سلام أيضاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، إذا كان السجود بعد السلام، فإنه يجب له السلام، فيسجد سجدتين ثم يسلم " انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (14 / 74 - 75).
ثانيا:
من سلم من صلاته سهوا يظن أنه قد أتمها، فيرجع لإتمامها بغير تكبير.
كما في حديث أبي هريرة السابق: ( فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ ) ولم يذكر فيه التكبير.
لأنه في هذه الحال ما زال في حكم المصلي؛ فلهذا شرع له البناء، ولم يؤمر بالإعادة.
لكن إن كبر فلا حرج؛ لأنه ذكر من جنس أذكار الصلاة.
سُئلت "اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء":
" رجل صلى بجماعة الرباعية وسلم في الثالثة، وبعد ذلك ذكر فقام وكبر تكبيرة الإحرام، فأنكر عليه بعض الإخوان، وقالوا ما فيها تكبيرة إحرام، هل فيها تكبيرة إحرام أم لا؟
الجواب: من سها فجلس عن نقص في الصلاة: لا يلزمه تكبير للقيام إذا ذكر أو ذُكِّر، ولو كبّر عند قيامه لتكميل صلاته، فإن تكبيره لا يؤثر على صحة صلاته؛ لأنه إشعار للمأمومين لاستجابته لهم في القيام لتكميل الصلاة، والتكبير ذكر من جنس المشروع فيها، فلا يبطلها.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى" (7 / 144 — 145).
ثالثا:
وأما المسبوق فله حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون جلوس الإمام للتشهد الأخير يوافق التشهد الأول للمسبوق، فلا شك أنه يقوم لإتمام صلاته بتكبير؛ لأن الأصل أن يقوم المصلي بعد التشهد الأول بتكبير.
قال النووي رحمه الله تعالى:
"وإذا قام المسبوق بعد سلام الإمام، إلى تدارك ما عليه: فإن كان الجلوس الذي قام منه موضع جلوس هذا المسبوق، بأن أدركه في ثالثة رباعية أو ثانية المغرب: قام مكبرا " انتهى. «المجموع" (4 / 218).
وأما إذا لم يوافق تشهد الإمام، التشهد الأول للمسبوق، فهذا محل خلاف بين أهل العلم، والذي عليه الجمهور أنه يقوم بتكبير أيضا؛ لأنه قيام عن جلوس مشروع، إلى ركن مشروع.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:
" ... وإن سلم الإمام، قام إلى القضاء بتكبير. وبهذا قال مالك، والثوري، وإسحاق.
وقال الشافعي: يقوم بغير تكبير، لأنه قد كبر في ابتداء الركعة، ولا إمام له يتابعه في التكبير.
ولنا: أنه قام في الصلاة إلى ركن معتدٍّ له به، فيكبر؛ كالقائم من التشهد الأول، وكما لو قام مع الإمام " انتهى. "المغني" (2 / 183 - 184).
رابعا:
من زاد في صلاته عملا، فإنه يرجع إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير؛ لأن هذا الزائد لغو، فلا يكبر للانتقال منه.
قال البهوتي رحمه الله تعالى:
" (ومتى ذكر) من زاد في صلاته، ( عاد إلى ترتيب الصلاة، بغير تكبير ) لإلغاء الزيادة، وعدم الاعتداد بها " انتهى. "كشاف القناع" (1 / 477).
والله أعلم.