لا يجوز إبدال الوقف أو بيعه، إلا إذا لم يمكن الانتفاع به.
وأجاز بعض الفقهاء إبداله للمصلحة إذا كان أنفع للوقف، حتى لو لم تتعطل المنافع بالكلية.
قال ابن قدامة رحمه الله : " الوقف إذا خرب، وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت، وعادت مواتا، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه، أو تشعب جميعه ( أي : تصدعت جدرانه ) ، فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه , جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته .
وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه , بيع جميعه...
وقال مالك، والشافعي: لا يجوز بيع شيء من ذلك؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يباع أصلها، ولا تبتاع، ولا توهب، ولا تورث). ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه، لا يجوز بيعه مع تعطلها" انتهى من "المغني" (5/368).
ثم قال: " فصل: وإن لم تتعطل منفعة الوقف بالكلية، لكن قلّت، وكان غيره أنفع منه، وأكثرَ ردًّا على أهل الوقف: لم يجز بيعه؛ لأن الأصل تحريم البيع، وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع، مع إمكان تحصيله، ومع الانتفاع، وإن قل: ما يضيع المقصود. اللهم إلا أن يبلغ في قلة النفع إلى حد لا يعد نفعا، فيكون وجود ذلك كالعدم" انتهى.
فتبين من هذا أن المالكية والشافعية يمنعون بيع الوقف، ولو تعطلت منافعه بالكلية، وأن الحنابلة يجيزون البيع حينئذ، ويمنعونه إذا كان المنفعة موجودة، ولو قلّت.
وأجاز شيخ الإسلام البيع عند قلة المنفعة، لتحصيل المصلحة للوقف.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع (11/ 59) في شرح قول الزاد: " وَلاَ يُبَاعُ، إِلاَّ أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنافِعُهُ، وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ":
"قوله: إلا أن تتعطل منافعه: ففي هذه الحال يجوز أن يباع، كرجل أوقف داره على أولاده فانهدمت الدار، فيجوز أن تباع.
وقوله: ولا يباع إلا أن تتعطل منافعه: ظاهره أنه لا يباع بأي حال من الأحوال إلا في هذه الصورة؛ لأن من القواعد المقررة (أن الاستثناء معيار العموم)؛ يعني يدل على العموم فيما عدا الصورة المستثناة، فعلى هذا لا يباع بأي حال من الأحوال إلا في هذه الحال، وهي إذا تعطلت منافعه.
فإن نقصت المنافع ولم تتعطل، فإنه لا يباع، فيبقى على ما هو عليه حتى تتعطل، ولا يكون فيه فائدة.
واختار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ جواز بيعه للمصلحة، بحيث ينقل إلى ما هو أفضل" انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وأما إبدال المسجد بغيره؛ للمصلحة، مع إمكان الانتفاع بالأول: ففيه قولان في مذهب أحمد. واختلف أصحابه في ذلك؛ لكن الجواز أظهر في نصوصه وأدلته" انتهى من مجموع الفتاوى (31/ 215).
وحيث إن الأرض الموقوفة لم تتعطل منافعها، ولا قلّت مصلحتها، بل مصلحة الوقف أن تبقى كما هي، لكونها على الشارع، فهي أكثر دَرّا للوقف، لو أُجرت، أو بنيت وأجرت، ونحو ذلك، فلا يجوز بيعها أو إبدالها- والإبدال بيع كما هو معلوم-.
على أنه ينبغي عليكم ألا تدعوا الأرض هكذا، لا ينتفع بها في بناء أو إجارة، فإن في ذلك تعطيلا للوقف عن منفعته، مع إمكان تحصيلها.
والله أعلم.