أولا:
المهر حق للمرأة، ولا يجوز للزوج أن يأخذ منه شيئا إلا برضاها؛ لقوله تعالى: ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ) النساء/4
وتستحق المرأة كامل المهر بالدخول، أو الخلوة الصحيحة، فلو طلقها بعد ذلك لزمه المهر كاملا.
قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (7/191) : " الرجل إذا خلا بامرأته بعد العقد الصحيح: استقر عليه مهرها، ووجبت عليها العدة , وإن لم يطأ .
روي ذلك عن الخلفاء الراشدين ... روى الإمام أحمد , والأثرم , عن زرارة بن أوفى قال : قضى الخلفاء الراشدون المهديون , أن من أغلق بابا , أو أرخى سترا , فقد وجب المهر , ووجبت العدة. ورواه الأثرم أيضا , عن الأحنف , عن عمر وعلي وعن سعيد بن المسيب . وعن زيد بن ثابت : عليها العدة , ولها الصداق كاملا .
وهذه قضايا تشتهر , ولم يخالفهم أحد في عصرهم , فكان إجماعا " انتهى باختصار .
ثانيا:
إذا كانت المرأة ناشزا، أو سيئة الخلق، أو سيئة السمعة، وأراد الرجل فراقها فله أن يضيق عليها لتختلع منه، ويكون الخلع على ما يتفقان، كأن تتنازل عن المهر كله أو بعضه؛ لقوله تعالى: ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) البقرة/229
ولقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) النساء/19
فثمة حالات يجوز فيها عضل الزوجة لتخالع وتفتدي نفسها، وذلك إذا أتت الزوجة فاحشة ، أو أصرت على ترك فرض ، أو كانت ناشزة لا تطيعه ، والفاحشة : تعم الزنا والنشوز والعصيان وبذاءة اللسان ، كما سيأتي .
ويحرم العضل إن لم يكن شيء من ذلك.
نقل ابن كثير رحمه الله عن زيد بن أسلم قوله : " ( لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ) : كان أهل يَثْرِبَ إذا مات الرجل منهم في الجاهلية وَرِث امرأتَه من يرث ماله ، وكان يعضُلها حتى يرثها ، أو يزوجها من أراد ، وكان أهل تهامة يُسِيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد، حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها= فنهى الله المؤمنين عن ذلك. رواه ابن أبي حاتم ".
ثم قال ابن كثير : " وقوله: ( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ) أي: لا تُضارّوهن في العِشرة، لتترك لك ما أصْدقتها، أو بعضه، أو حقًا من حقوقها عليك ، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ) يقول: ولا تقهروهن ( لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ )، يعني: الرجل تكون له امرأة وهو كاره لصحبتها ، ولها عليه مَهرٌ، فيَضرها لتفتدي.
وكذا قال الضحاك، وقتادة وغير واحد ، واختاره ابن جرير...
وقوله : ( إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المُسَيَّب، والشَّعْبِيُّ، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جُبَيْرٍ، ومجاهد، وعِكْرَمَة، وعَطاء الخراسانيّ، والضَّحَّاك، وأبو قِلابةَ، وأبو صالح، والسُّدِّي، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال : يعني بذلك الزنا.
يعني: إذا زنت، فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتُضَاجرهَا حتى تتركه لك، وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة : ( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) الآية[البقرة:229].
وقال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك : الفاحشة المبينة : النُّشوز والعِصْيان .
واختار ابن جرير أنَّه يَعُم ذلك كلَّه: الزنا، والعصيان ، والنشوز ، وبَذاء اللسان ، وغير ذلك .
يعني: أن هذا كله يُبيح مضاجرتها، حتى تُبْرئه من حقها، أو بعضه، ويفارقها. وهذا جيد. والله أعلم " انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/ 240).
وقال في "زاد المستقنع" : " فإن عضلها ظلما للافتداء، ولم يكن لزناها ، أو نشوزها ، أو تركها فرضا؛ ففعلت، أو خالعت الصغيرة، والمجنونة ، والسفيهة ، أو الأمة بغير إذن سيدها= لم يصح الخلع ".
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرحه: " فإذا خالعت في هذه الحال لا يصح الخلع ؛ لأنه قد أرغمها ، وقد قال الله عز وجل : ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) [النساء: 19].
فإذا فعل هذا بدون سبب ، كرجل ـ والعياذ بالله ـ طماع لا يخاف رب العالمين ، ولا يرحم الخلق، ما أحب هذه الزوجة، وقال: لا يمكن مالي يذهب هدرا ، وصار يضيق عليها ، ويمنعها حقها ، ويهجرها في المضجع من أجل أن تفتدي منه= نقول : هذا حرام عليك ؛ لأن الله نهى عنه .
وقوله: ولم يكن لزناها: فإذا كان لغير زناها ، لكن لتوسعها في مخاطبة الشباب ، تتكلم في الهاتف ، وما أشبه ذلك ، فهل نقول : إن هذا من سوء الخلق الذي يبيح له أن يعضلها لتفتدي منه ؟
نعم ، ونجعل قوله : لزناها شاملا لزنا النطق ، والنظر ، والسمع ، والبطش ، والمشي ، كما أخبر الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن العين تزني، والأذن تزني، واليد تزني، والرجل تزني، فهذا الرجل يقول : ما أصبر على هذه المرأة ، وهي بهذه الحال ، فصار يضيق عليها لتفتدي منه ، فهذا جائز.
فإن قال قائل : إن الله يقول : ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة )؛ والكلام أو النظر ليس من الفواحش؟
فنقول: إن هذا وسيلة إلى الفواحش.
ثم إن كثيرا من الناس يكون عنده غيرة ، أن تخاطب امرأته الرجال ، أو أن تتحدث إليهم...
وقوله: أو نشوزها: وهو معصية الزوجة زوجها فيما يجب عليها ، فإذا صار عندها نشوز، وعضلها، وضيق عليها لتفتدي= فلا حرج.
قوله: أو تركها فرضا كأن تترك الصلاة دون أن تصل إلى الكفر ، أو تترك الصيام ، أو تترك الزكاة ، أو تترك أي فرض ، أو تترك الحجاب ، وتقول : سأخرج مكشوفة الوجه = فله أن يعضلها إذا لم يمكن تربيتها.
أما إذا كان يرغب في المرأة، ويمكن أن يربيها: فلا حرج أن تبقى معه " انتهى من "الشرح الممتع" (12/ 462).
وعليه؛ فإن كان المسؤول عنها تقع في شيء مما ذكر وهي زوجة له، فللزوج أن يضيق عليها حتى تخالعه.
وإن لم يكن منها شيء من ذلك: لم يحل له أن يلجئها للخلع، فإن أراد فراقها فليطلقها، وليعطها مهرها، وليس له أن يأخذ منها تكاليف استقدامها إليه، ولا أن يخصم ذلك من مهرها.
والله أعلم.