عليه أيمان كثيرة جدا لم يكفر عنها فهل تكفيه كفارة واحدة؟

السؤال 428697

أرجو الله تعالى أن تكونوا بخير حال، من فضلكم لي استفتاء، بالنسبة لكفارة اليمين أو النذر، أجد مشقة في تحديد الضابط في جواز الانتقال من الإطعام إلى الصيام، فعليّ كفارات كثيرة تصل ل ١٣٠ كفارة، ولا أستطيع الإطعام، وأخشى الانتقال إلى الصيام؛ فأنا أقتطع من راتبي شهريا أموال لا أعلم إن كانت شرعا أساسية أم كمالية، فلا أعلم هل يجب علي التوقف عن ذلك وقضاء الكفارات أم لا؟

ملخص الجواب

جمهور الفقهاء يرون أن الواجب في كل يمين حنث فيها كفارة. ومذهب الإمام أحمد: أنه إذا تعددت الأيمان، ولم يكفر عنها: يكفيه كفارة واحدة. والذي يظهر أنه يسع السائل أن يعمل بمذهب الإمام أحمد.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

الأيمان إذا تعددت وكانت على شيء واحد، ففيها كفارة واحدة، مثل أن يقول: والله لا أكلم فلانا، ويكرر ذلك كثيرا ثم يكلمه، فعليه كفارة واحدة.

وإن تعدد المحلوف عليه، مثل أن يقول: والله لا أكلم فلانا، ثم يكلمه، والله لا أسافر إلى كذا، ثم يسافر، وهكذا، فقد اختلف الفقهاء فيما يجب بها:

فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الواجب لكل يمين كفارة مستقلة.

وذهب الحنابلة إلى أنه إذا لم تعددت الأيمان، ولم يكفر عن الأولى: أجزأته كفارة واحدة عن كل ما حنث فيه من الأيمان.

جاء في "الموسوعة الفقيهة الكويتية" (35/47-48):

" الحلف بأيمان متعددة على أمور شتى:

اختلف الفقهاء فيما يجب بالحنث في الحلف بأيمان متعددة، على أمور شتى- نحو أن يقول : والله لا أدخل دار فلان ، والله لا أكلم فلانا- ففعل ذلك كله، على قولين:

القول الأول: أنه يجب على الحالف لكل يمين كفارة، وإليه ذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وهو ظاهر كلام الخرقي، ورواية المروزي عن أحمد.

القول الثاني: أنه يجب على الحالف كفارة واحدة، وبه قال أحمد في رواية ابن منصور، قال القاضي: وهي الصحيحة، وهو قول محمد من الحنفية.

وقد استدل القائلون بتعدد الكفارات: بأنهن أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى ، فلم تتكفر إحداها بكفارة الأخرى ، كما لو كفر عن إحداها قبل الحنث في الأخرى ، وكالأيمان المختلفة الكفارة ، وبهذا فارق الأيمان على شيء واحد ، فإنه متى حنث في إحداها كان حانثا في الأخرى ، فإن كان الحنث واحدا كانت الكفارة واحدة ، وهاهنا تعدد الحنث ، فتعددت الكفارات . وفارق الحدود فإنها وجبت للزجر وتندرئ بالشبهات بخلاف مسألتنا ، ولأن الحدود عقوبة بدنية ، فالموالاة بينها ربما أفضت إلى التلف فاجتزئ بإحداها ، وهاهنا الواجب إخراج مال يسير أو صيام ثلاثة أيام ، فلا يلزم الضرر الكثير بالموالاة فيه ، ولا يخشى منه التلف.

بينما استدل أصحاب القول الثاني: بأنها كفارات من جنس فتداخلت كالحدود من جنس ، وإن اختلف محالها بأن يسرق من جماعة أو يزني بنساء". انتهى.

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين، رحمه الله: " بارك الله فيكم؛ إذا حلف الإنسان عدة أيمان لا يعلم عددها، فهل يكفي أن يخرج كيسا من الأرز، ويوزعه على عشرة مساكين، أو أكثر؟".

فأجاب رحمه الله تعالى: "هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: هل تتعدد الكفارات بتعدد الأيمان، أو يكفي فيها كفارة واحدة؟

فقال بعض أهل العلم: إن الأيمان مهما كثرت؛ فإنه يكفي فيها كفارة واحدة، وذلك لأن الموجَب واحد، فلو قال: والله لا ألبس هذا الثوب، والله لا ألبس هذه الغترة، والله لا أخرج من البيت، والله لا أركب سيارة فلان؛ فهذه أربعة أيمان:

فمن العلماء من يقول: إذا حنث فيها، لزمه أربع كفارات.

ومنهم من قال لا يلزمه إلا كفارة واحدة؛ لأن موجَب هذه الأيمان شيء واحد، فهو كما لو تعددت الأحداث؛ فإنه يكفي فيها وضوء واحد، يعني: لو بال الإنسان وتغوط وخرجت منه ريح ونام وأكل لحم إبل، فهذه خمسة أحداث، يكفي فيها وضوء واحد. فقاسوا عليها الأيمان، وقالوا لو تعددت فإن موجبها واحد فتكفي فيها كفارة واحدة.

وعلى هذا القول؛ فلا أشكال في مسألة السائل، لأنه يكفيه كفارة، واحدة سواء علم عدد الأيمان، أم لم يعلم، وسواء قلت أم كثرت.

ولكن هناك قول أخر يقول: إذا ‌تعدد ‌المحلوف ‌عليه، فإنه يلزمه كفارات بعدد المحلوف عليه، ما لم تكن اليمين واحدة.

فإذا قال: والله لا ألبس هذا الثوب، والله لا ألبس هذه الغترة، والله لا أخرج من البيت، والله لا أركب هذه السيارة؛ فهذه أربعة أيمان، لكل يمين منها كفارة إذا حنث فيه، فيلزمه على هذا القول أربع كفارات.

وبناءً على هذا القول: نقول للسائل إذا كانت عليك أيمان متعددة، ولم تدر قدرها، فتحرَّ. وإذا شككت هل هي عشرة أو خمسة مثلا، فخذ بالأقل، خذ بخمسة، لأنها المتيقنة، وما زاد فهو مشكوك فيه، فلا يلزمك فيه الكفارة.». انتهى، من فتاوى نور على الدرب للعثيمين (21/ 2 بترقيم الشاملة آليا).

والقول بأنه تكفي كفارة واحدة عن الأيمان كلها، وإن تعددت، ما دامت كفارتها من جنس واحد – يعني: أنها كفارة يمين، ليس فيها كفارة ظهار، أو نحو ذلك -: هو معتمد مذهب الحنابلة.

قال البهوتي، رحمه الله: «(ومن كرَّر يمينًا موجبها واحد على فِعْل واحد، كقوله: والله لا أكلتُ، والله لا أكلتُ) فكفَّارة واحدة؛ لأن سببها واحد، والظاهر أنه أراد التأكيد (أو حَلَف أيمانًا كفَّارتها واحدة، كقوله: والله، وعهد الله، وميثاقه، وكلامه) لأفعلن كذا، فكفَّارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة.

(أو كرَّرها) أي: الأيمان (على ‌أفعال ‌مختلفة، ‌قبل ‌التكفير، كقوله: والله لا أكلتُ، والله لا شربتُ، والله لا لَبِستُ= فـ) ـــعليه (كفَّارة واحدة)؛ لأنها كفَّارات من جنس، فتداخلت كالحدود. (ومثله الحَلِف بنذور مُكَرَّرة)؛ فتجزئه كفَّارة واحدة». انتهى، من كشاف القناع (14/ 415 ط وزارة العدل).

وقد نص الإمام أحمد على ذلك؛ سأله إسحاق بن منصور الكوسج:

"قُلْتُ: من يَحلفُ على أمورٍ شتَّى، أو على شيءٍ واحدٍ مرارًا، أو في مجلسٍ واحد أو في مجالسَ؟

قال: ‌ما ‌لم ‌يُكفر؛ ‌فهو ‌كفارةٌ ‌واحدةٌ.

قال إسحاق -ابن راهويه-: كما قال". انتهى، من "مسائل إسحاق الكوسج" (5/2439).

والذي يظهر لنا في صورة السؤال: أنه لا حرج على السائل في أن يعمل بمذهب الإمام أحمد في مسألته، وقد كثرت عليه الأيمان هذه الكثرة الفاحشة، وشقت عليه كفارتها، والفقهاء يقولون: إذا ضاق الأمر اتسع، والفقه رخصة من ثقة؛ وهذا الإمام أحمد، ثقة وزيادة، يفتي بأنه يسعه كفارة واحدة.

وفي "الشرح الصوتي لزاد المستقنع"، للشيخ ابن عثيمين، رحمه الله : يظهر تصحيح الشيخ للمذهب، في أنها كفارة واحدة:

"هذه المسألة إذا تكررت الأيْمان، فهل تتكرر الكفارة أو لا تتكرر؟ نقول: إذا كفَّر عن اليمين الأول، ثم حلف بعده فإنه لا يحيل على الكفارة الأولى، بل لابد من كفارة ثانية للحلف الجديد.

أما إذا اجتمعت الأيْمان، وحنث في عدة أيمان: فهي لا تخلو من ثلاثة حالات؛ أن يكون المحلوف عليه واحدًا بالشخص، والثاني أن يكون واحدًا بالنوع والثالث أن يكون مختلفًا....

وتارةً يختلف في نوعه مثل الحلف على فِعْل، حلف على ترْك، حلف على فعل، وحلف على ترْك، فهل تتكرر أم لا؟

الصحيح في هذه المسألة: أنه إذا كان الموجَب واحدًا، فإنه يكفيه كفارة واحدة؛ يعني إذا كان الحلف بالله حلف يمين فاليمين موجب الأيمان أيش موجبها؟ الموجب يعني الذي يجب باليمين؟ كفارة واحدة ما تختلف بين الفعل والترْك، ولا بين هذا وهذا، ولَّا لا؟ كلها؛ إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أو صيام.

فإذا اتحد الموجب: فإنه يجزئه كفارة واحدة، قياسًا على الوضوء إذا أحدث الإنسان بأنواع من الحدث يجزئه وضوء واحد، فهنا يجزئه كفارة واحدة ...". انتهى.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (56601).

على أن الذي يظهر منك أنك متسارع في اليمين، متهاون بشأن الحنث فيها، فاحذر من ذلك فقد أم أمر الله تعالى بحفظ اليمين، فقال: وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ [المائدة: 89].

وجعل كثرة الأيمان صفة ذم، دائما. قال الله تعالى: وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ [القلم: 10].

وبكل حال، فالواجب عليك أن تقلع عن هذه الصفة الذميمة، لئلا توقع نفسك في الحرج، ولعلك إن تهاونت بها، أن تتهاون بحرمتها، فتقع في الكذب، وأنت تدري، أو لا تدري. فليحذر العبد الناصح لنفسه من عاقبة ذلك.

والحاصل:

أنه لا حرج عليك في الأخذ بمذهب الإمام أحمد، والاكتفاء بكفارة واحدة عن الأيمان التي عليك كلها، مع وجوب الحذر من التسارع في الأيمان، والاستهانة بشأنها.

وينظر جواب السؤال (400366)

والله أعلم.

الأيمان

المراجع

الأيمان والنذور

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android