اتفق مع زوجته على إسقاط بعض حقوقه، فهل له التراجع عن ذلك؟

السؤال: 432894

حصل شجار بيني وبين زوجتي وقلت لها انني سأتخلي عن حقوقي الزوجية مقابل ان تربي اولادي ولكني كنت اقول ذلك فقط لتعود الي المنزل لا لاتخلي عن حقوقي وكنت قد صرحت لاهلها بذلك قبل ان اخبرها فهل لي حقوق عندها ام لا؟
جزاكم الله خيرا

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:
الحقوق الزوجية نوعان:

الأول:

الحق الذي جعله الشرع وصفًا ذاتيًا لصاحبه لازمًا له، لا ينفك عنه، مثل: حق "القوامة" للرجل وحق "الطلاق"، وحق "النسب" للطفل، وحق "ولاية النكاح" لعصبة المرأة، وحق السكنى في بيت العدة للمرأة.

فهذه الحقوق ونحوها لا تقبل الإسقاط؛ لأن إسقاطها تغييرٌ للأوضاع الشرعية.

الثاني:

الحق الذي يتجدد يومًا، فيوما، كحق "النفقة" و"الاستمتاع"، و"المسكن" و"القسم"، فهذه يصح الإسقاط فيها عمَّا ثبت واستقر، ولا يكون لازمًا عمَّا يُستقبل من الأيام.

ولذا؛ إذا تنازل أحد الزوجين عن حقه في شيء منها: صح هذا التنازل وصار لازما في الحق السابق والحاضر، أما فيما يُستقبل من الزمن، فله أن يرجع ويطالب به.

فإذا أسقطت الزوجة حقها من النفقة سقط عن يومها ذلك، لكن لها أن ترجع وتطالب به فيما يستقبل من الأيام؛ وذلك لأن النفقة المستقبلية لم تثبت في ذمة الزوج بعد حتى يتم إسقاطها.

في الموسوعة الفقهية الكويتية (4/254): "والإسقاط يقع على الكائن المستحق، وهو الذي إذا سقط لا يعود، أما الحق الذي يثبت شيئًا فشيئًا، أي يتجدد بتجدد سببه، فلا يرِد عليه الإسقاط، لأن الإسقاط يؤثر في الحال دون المستقبل". انتهى من "الموسوعة الفقهية الكويتية" (4/255)

ثانيا:

إذا شرط أحد الزوجين على الآخر عند العقد إسقاط أحد حقوقه الثابتة بالعقد القابلة للإسقاط، ورضي بذلك: ففي هذه الحال يلزم الوفاء به، ولا يجوز الرجوع في هذا الإسقاط ولو كان حقًا متجددا في أرجح قولي العلماء؛ لأن "مقاطع الحقوق عند الشروط" كما قال الفاروق عمر بن الخطاب.

وكذا لو كان الإسقاط من باب الصلح بين الزوجين صار لازمًا؛ لأن هذا لم يعد إسقاطًا محضًا.

قال الشيخ ابن عثيمين: "يَجوز للإنسان أن يَرجِع في حَقِّه بعد إسقاطه؛ لقوله تعالى: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ.

هذا إذا كان الحَقُّ مُتَجدِّدًا.

أمَّا إذا كان الحَقُّ غيرَ مُتجَدِّد، فإن الإنسان إذا أَسقَطه، لا يَملِك الرُّجوع فيه.

مِثال ذلك: أَسقَطَتِ المرأة نَصيبَها أو حقَّها من نفَقة ماضية، بأن يَكون الزوج قد ترَك الإِنْفاق عليها لمُدَّة سَنَة، فأَسقَط الحقَّ، فليس لها رُجوع؛ لأن الحقَّ هنا غَيرُ مُتجَدِّد، بل هو في شيء مضَى.

أمَّا إذا أَسقَطَتِ المرأة حَقَّها من القَسْم، فلها أن تَرجِع؛ لأن ‌حقَّها ‌يَتَجدَّد.

اللَّهُم إلَّا أَنْ يَكون ذلك مَشروطًا في العَقْد، بأَنْ شَرَط الزوجُ على زوجته الجديدةِ ألَّا يَقسِم لها فقَبِلَت، ففي هذه الحالِ لا تمَلِك الرُّجوع؛ لأنه صار شَرْطًا في العَقْد.

والشَّرْط في العَقْد يَجِب الوفاء به؛ لدُخوله في عُموم قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، بخِلاف ما لو أَسقَطَتْه بعد العَقْد، فإن هذا إِسقاط لها أَنْ تَرجِع فيه؛ لأنها لا تمَلِك إسقاط المُستَقبَل"، انتهى من "تفسير العثيمين: الأحزاب" (ص399).

وذكر ابن القيم أن الرجل إذا عجز عن حقوق زوجته أو كرهتها نفسه فله "أن يخيِّرها إن شاءت أقامت عنده ولا حقَّ لها في القَسْم والوطء والنَّفقة، أو في بعض ذلك، بحسب ما يصطلحان عليه، فإذا رضيت بذلك: لزم، وليس لها المطالبة به بعد الرِّضى".

ثم قال: "هذا موجب السُّنَّة ومقتضاها، وهو الصَّواب الذي لا يسوغُ غيرُه.

وقولُ مَن قال: إنَّ حقَّها يتجدَّد، فلها الرُّجوع في ذلك متى شاءت: فاسدٌ، فإنَّ هذا خرج مخرج المعاوضة، وقد سمَّاه الله سبحانه: صُلحًا، فيلزم كما يلزم ما صالح عليه من الحقوق والأموال.

ولو مُكِّنت من طلب حقِّها بعد ذلك، لكان فيه تأخير الضَّرر إلى أكمل حالتيه، ولم يكن صُلحًا، بل كان مِن أقرب أسباب المعاداة، والشَّريعةُ منزَّهةٌ عن ذلك، ومن علامات المنافق أنَّه إذا وعد أخلَف وإذا عاهد غدر، والقضاء النَّبويُّ يردُّ هذا". انتهى من "زاد المعاد" (5/212).

وينظر جواب السؤال (28954)، (347477).

وبناء على هذا: فلا يحق لك المطالبة بالحقوق التي أسقطتها عن زوجتك ووقع الصلح بينكم وفق هذا الشرط، إلا أن ترضى هي بإسقاط الاتفاق السابق وتتنازل عنه.

والله أعلم

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android