19

هل يجوز تأجير البساتين مقابل مبلغ ثابت سنويًّا؟

السؤال: 435639

شخص لديه مزرعة، تُدخل له سنويًا مئة ألف، والمبلغ غير ثابت، قد يزيد عن المئة، وقد ينقص، أتى إليه شخص آخر، وطلب من صاحب المزرعة أن يؤجره المزرعة لمدة 5 سنوات، فقال له صاحب المزرعة: أعطيك المزرعة بشرط أن تعطيني في كُل سنة 100 ألف، بغض النظر عن ربح المزرعة، فلو ربحت مليونا في السنة، أنا أخذ فقط 100 ألف، ولو ربحت 50 ألفا فقط، تُعطيني 100 الف.
فما حكم هذا الفعل؟ وهل يدخل في الربا أم لا؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

هذه المعاملة ليست ربًا ، ولكنها تأجير للمزرعة بمبلغ محدد من المال يدفع سنويا ، وقد اختلف العلماء في جواز ذلك ، فذهب كثير من العلماء إلى تحريمها ، واستدلوا بدليلين :

1-أن في هذا غررًا ، لأن المستأجر قد يعمل وينفق ، ثم تحصل آفة تمنع خروج الثمر ، أو تفسده بعد خروجه .

وأجيب عن هذا بأنه لو حصل شيء من هذا ، لكان من حق المستأجر الفسخ ، كما أنه لو اشترى ثمرا على شجر بعد بدو صلاحه ، ثم حصلت جائحة ، فإن له الحق في فسخ العقد .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"فَهُنَا الْمُسْتَأْجِرُ لِلْبُسْتَانِ إذَا قُدِّر أَنَّهُ حَصَلَتْ آفَةٌ مَنَعَتْ الْأَرْضَ عَنْ الْمَنْفَعَةِ الْمُعْتَادَةِ - كَمَا لَوْ نَقَصَ مَاءُ الْمَطَرِ وَالْأَنْهَارِ حَتَّى نَقَصَتْ الْمَنْفَعَةُ عَنْ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى عَلَى الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْحَالِ - كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ إمَّا الْفَسْخُ ، وَإِمَّا الْأَرْشُ" انتهى، "مجموع الفتاوى" (30/236) .

2-أن النبي صلى الله عليه وسلم (نَهَى عَن بَيعِ الثَّمَارِ حَتَّى يَبدُوَ صَلَاحُهَا ، نَهَى البَائِعَ وَالمُبتَاعَ – أي المشتري) رواه البخاري (2194) ومسلم (1534).

وقالوا : إن تأجير الشجر قبل بدو صلاح الثمر : هو حيلة على بيع الثمر قبل بدو صلاحه .

وسيأتي كلام ابن القيم رحمه الله في الرد على هذا ببيان الفرق بين البيع والإجارة من ثلاثة أوجه.

وذهب آخرون من العلماء إلى جواز هذه المعاملة ، وهو مذهب مالك ، مع اختلاف في بعض التفاصيل والشروط ، وقد اختار الجواز شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ونصراه ، واختاره بعض علماء الحنابلة أيضا، ورجحه بعض علمائنا المعاصرين كما سيأتي .

واستدلوا بعدة أدلة ، منها :

1-أن الأصل في المعاملات الحل ، ولم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المعاملة ، فتكون حلالا ، وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه .

2-أنه قد ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

روى سعيد بن منصور عن هشام بن عروة عن أبيه : (أن أسيد بن حضير توفي وعليه ستة آلاف درهم، فدعا عمر بغرمائه ، فَقَبَّلهم أرضه سنين، وفيها النخل والشجر).

ومعنى : (قبَّلهم) : أي:أجَّر لهم ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه خالفه في ذلك ، ولذلك جعله شيخ الإسلام ابن تيمية كالإجماع من الصحابة على جواز تلك المعاملة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"وَهَذَا الْقَوْلُ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ السَّلَفِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ خِلَافَهُ" انتهى، "مجموع الفتاوى" (29/59).

وقال :

"وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ عَنْ عُمَرَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ فُقَهَاءِ ظَاهِرِيَّةِ الْمَغْرِبِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ .

وَلَيْسَ بِشَيْءِ؛ بَلْ ادِّعَاءُ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ أَقْرَبُ؛ فَإِنَّ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ بِمَشْهَدِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ فِي مَظِنَّةِ الِاشْتِهَارِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ أَنْكَرَهَا ، وَقَدْ كَانُوا يُنْكِرُونَ مَا هُوَ دُونَهَا ، وَإِنْ فَعَلَهُ عُمَرَ ، كَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَغَيْرُهُ مَا فَعَلَهُ مِنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ؛ وَإِنَّمَا هَذِهِ الْقَضِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ تَوْرِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عفان لِامْرَأَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الَّتِي بَتَّهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ.

وَاَلَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هُوَ الصَّوَابُ" انتهى، "مجموع الفتاوى" (30/225).

3-قياس تأجير الشجر على تأجير الأرض ، فكما يجوز تأجير الأرض لمن يقوم عليها ليحصل منها على الحب والزرع ، فكذلك يجوز تأجير الشجر ليحصل منها على الثمر ، ولا فرق.

قال ابن القيم رحمه الله : "سر المسألة : أنَّ الشجر كالأرض، وخِدْمته والقيام عليه؛ كشَقِّ الأرض وخدمتها والقيام عليها، ومُغِلُّ الزرع كمُغِلِّ الثمر؛ فإن كان في الدنيا قياسٌ صحيحٌ، فهذا منه" انتهى، "زاد المعاد" (5/828) .

وقال في "أعلام الموقعين" (1/ 304) :

"والنبي نهى عن بيع الحب حتى يشتد، ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة، مع أن المستأجر مقصوده الحب بعمله، فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها، وهو نظير مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه، والحب نظير الثمر، والشجر نظير الأرض، والعمل نظير العمل؛ فما الذي حرم هذا وأحل هذا؟

وهذا بخلاف المشتري؛ فإنه يشتري ثمراً وعلى البائع مؤنة الخدمة والسقي والقيام على الشجر؛ فهو بمنزلة الذي يشتري الحب وعلى البائع مؤنة الزرع والقيام عليه" انتهى.

وقال في "أحكام أهل الذمة" (1/ 97) في التفريق بين عقدي البيع والإجارة هنا :

" والفرق بين إجارة الشجر لمن يخدمها ويقوم عليها حتى تثمر، وبين بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أوجه :

أحدها : أن العقد هنا وقع على بيع عين، وفي الإجارة وقع على منفعة، وإن كان المقصود منها العين فهذا لا يضر ، كما أن المقصود من منفعة الأرض المستأجرة للزراعة العين.

الثاني : أن المستأجر يتسلم الشجر فيخدمها ويقوم عليها كما يتسلم الأرض ، وفي البيع البائع هو الذي يقوم على الشجر ويخدمها، وليس للمشتري الانتفاع بظلها ولا رؤيتها ولا نشر الثياب عليها، فأين أحد الرأيين من الآخر؟

الثالث : أن إجارة الشجر عقد على عين موجودة معلومة ، لينتفع بها في سائر وجوه الانتفاع، وتدخل الثمرة تبعاً، وإن كان هو المقصود، كما قلتم في نقع البئر ولبن الظئر [أي : المرضع] أنه يدخل تبعاً وإن كان هو المقصود، وأما البيع فعقد على عين لم تخلق بعد، فهذا لون وهذا لون" انتهى.

وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان جواز هذه المسألة ، ينظر "مجموع الفتاوى" (30/220-243) ، (29/59) .

والراجح من القولين هو القول الثاني ، وقد رجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "الشرح الممتع" (6/85) ، ورجحه الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله ، فله فتويان حول هذه المسألة في موقعه، فيهما تفصيل واستدلالات جيدة ، تنظر في موقع الشيخ .

وعلى هذا ؛ فلا حرج أن يقوم صاحب المزرعة بتأجيرها بـ 100 ألف في السنة ، بقطع النظر عما تربحه أو تخسره المزرعة ، لأن هذا العقد هو إجارة وليس مشاركة .

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android