أولا:
الظاهر من سؤالك أن الطبيب قصر فيما يجب عليه نسيانا أو جهلا، وأن الوفاة ترتبت على خطئه، وبهذا يكون جانيا، فتلزمه الكفارة في ماله، والدية على عاقلته إلا أن يعفو أولياء القتيل.
وإذا حصل شك في كونه مخطئا، أو في كون الوفاة تسببت عن خطئه، فإن الأمر يعرض على ثلاثة من الأطباء الثقات، فإن جزموا بخطئه، وبأن الوفاة نتجت عن ذلك لزمه الكفارة والدية.
سئل الشيخ ابن باز رحمه الله: " رجل طلب منه شخص مريض أن يشتري له إبرة لضيق التنفس وذلك من الصيدلية؛ لأنه تعود على شرائها من قبل ذلك، فذهب واشتراها له هذا الرجل، فأمره أن يضربها لها، فضربها له في العضل، وهذه الإبرة تضرب في الوريد، فضربها له في المساء، وفي الصباح مات الرجل المريض.
والآن الرجل الذي ضرب له هذه الإبرة لا ينام الليل لهول ما أصابه، فهو يظن بأنه هو الذي قتله بتلك الإبرة التي ضربها له، بالرغم أنهم ذهبوا إلى الأطباء بمثل هذه الإبرة، وسألوهم عن ذلك: هل هي تقتل إذا ضربت في العضل ولم تضرب في الوريد لجهل الرجل هذا؟ قالوا لهم: لا. ولكن قد تسبب بعض الالتهابات بعد ضربها، وعلى الرغم من هذا لم يقتنع هذا الرجل بل يقول بأنه هو الذي قتله؟ نرجو منكم أن توضحوا لنا ذلك مأجورين.
فأجاب:
على الفاعل أن يسأل المختصين من الأطباء، فإذا قالوا: إن فعله سبب الموت؛ عليه الكفارة في قتل الخطأ وهي عتق رقبة، فإن عجز يصوم شهرين متتابعين، وإن قالوا: إنها لا تسبب الموت فلا شيء عليه، والحمد لله" انتهى من فتاوى نور على الدرب.
ثانيا:
والكفارة: صيام شهرين متتابعين؛ لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) النساء/92
والدية على العاقلة وهم العصبة، أي الأقارب الذكور من جهة الأب.
قال ابن قدامة في "المغني" (8/ 296): "ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن دية الخطأ على العاقلة. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة , وأجمع أهل العلم على القول به" انتهى.
فإن لم توجد عاقلة، أو امتنعت عن الدفع، فهل تسقط الدية، أم تلزم القاتل؟ في ذلك خلاف.
ومذهب أحمد رحمه الله أنها تسقط حينئذ، وذهب بعض الحنابلة إلى أنها تكون في مال الجاني وهو أحد قولي الشافعي، ورجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
قال ابن قدامة في المقنع: " ومن لا عاقلة له، أو لم تكن له عاقلة تحمل الجميع، فالدية، أو باقيها عليه إن كان ذميا، وإن كان مسلما أخذ من بيت المال، فإن لم يمكن فلا شيء على القاتل.
ويحتمل أن تجب في مال القاتل، وهو أولى، كما قالوا في المرتد: يجب أرش خطئه في ماله" انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " مسألة: إذا لم يكن للجاني عاقلة تحمل لكونهم إناثاً، أو فقراء، أو ما أشبه ذلك فعلى من تجب الدية؟
قالوا: على بيت المال، وإن كان [القاتل] غير مسْلِم ففي مال الجاني.
قال العلماء: وإذا تعذر بيت المال سقطت الدية.
والصحيح أنه إذا لم يكن له عاقلة فعليه، فإن لم يكن هو واجداً أخذنا من بيت المال؛ وذلك لأن الأصل أن الجناية على الجاني، وحُمِّلَت العاقلة من باب المعاونة والمساعدة" انتهى من "الشرح الممتع" (14/ 179).
والله أعلم.