هل يجوز بيع بعض ممتلكات الأب دون علمه لتحصيل النفقة الواجبة؟

السؤال 438573

أمي وأبي مطلقان، وأنا أعيش مع أمي في منزل أبي، وهو متزوج في منزل آخر، لا يصرف عليّ من أكل وشرب، مع العلم أنه يملك المال، وأمي لا تملك المال، فهل أستطيع أن أبيع أغراض له لا استعمال لها إلّا للزينة دون أن أخبره؟

ملخص الجواب

يجوز للأولاد (ذكوراً وإناثاً) الذين تجب لهم النفقة على والدهم الأخذ من ماله دون علمه إذا قصر أو امتنع عن النفقة بقدر النفقة الواجبة لهم.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً: وجوب نفقة الأب على أولاده

يجب على الأب أن ينفق على أولاده ، على الذكور حتى مقدرتهم على الكسب، وعلى البنات حتى يتزوجنّ.
وقد سبق بيان ذلك مفصلا في فتوى سابقة في الموقع يحسن الرجوع إليها: (13464).

ثانياً: جواز الأخذ من مال الأب إذا امتنع أو قصّر في النفقة الواجبة.

إذا قصر الأب القادر في النفقة، جاز للأم أو الأولاد الذين لهم حق في النفقة أن يأخذوا من ماله بقدر حاجتهم دون علمه، فعن عائشة رضي الله عنها: (أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: ‌خُذِي ‌مَا ‌يَكْفِيكِ وولدك بالمعروف) رواه البخاري (5049).
قال ابن قدامة رحمه الله: "فإن منعها ما يجب لها، أو بعضه، وقدرت له على مال، أخذت منه مقدار حاجتها بالمعروف، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لهند حين قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. فقال: (‌خذي ‌ما ‌يكفيك وولدك بالمعروف)" انتهى من "المغني" (11/357).

وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله: "هل يجوز للأولاد أن يأخذوا من مال أبيهم دون علمه؟

فأجاب: ليس للأولاد أن يأخذوا من مال أبيهم من غير علمه، إلا ما تدعو له الحاجة المعروفة لأمثالهم إذا بخل بذلك، وكانوا عاجزين عن ‌النفقة على أنفسهم من أموالهم، ولم ينفق عليهم ‌النفقة الواجبة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان بن حرب - رضي الله عنهما - لما اشتكت إليه - صلى الله عليه وسلم - قائلة "إن أبا سفيان لا يعطيني من ‌النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذته من ماله ‌بغير ‌علمه" فأجابها - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك) متفق على صحته.

ومعنى بالمعروف: يعني الشيء المتعارف في نفقة مثلهم، من غير إسراف ولا تبذير" انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (22/313).

ثالثاً: بيع بعض الأغراض لأجل الحصول على النفقة

إذا طلبتِ من والدك حاجتك من النفقة الواجبة عليه، وامتنع مع قدرته، وليس هناك مال نقدي تأخذين منه: جاز لكِ بيع بعض الأغراض غير الضرورية لتحصيل النفقة التي تحتاجينها، من غير زيادة، مع مراقبة الله في ذلك ومعرفة أن الأصل في أموال الآخرين التحريم والمنع، وإنما جاز ذلك للحاجة، فيكون بقدر الحاجة فقط.

وقال ابن قدامة رحمه الله: "فإن قدرت له على مال، أخذت منه قدر حاجتها...؛ لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر هندا بالأخذ، ولم يجعل لها الفسخ.

وإن لم تقدر، رافعته إلى الحاكم، فيأمره بالإنفاق، ويجبره عليه، فإن أبى حبسه، فإن صبر على الحبس، أخذ الحاكم النفقة من ماله، فإن لم يجد إلا عروضا أو عقارا، باعها في ذلك. وبهذا قال مالك، والشافعي....

ويجوز بيع عقاره وعروضه في ذلك، إذا لم تجد ما تنفق سواه" انتهى من "المغني" (11/ 36).

وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "قال الخطابي: يؤخذ من حديث هند: جواز أخذ الجنس، وغير الجنس [أي جنس الحق وغيره]؛ لأن منزل الشحيح لا يجمع كل ما يُحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر المرافق اللازمة ، وقد أطلق لها الإذن في أخذ الكفاية من ماله" انتهى من "فتح الباري" (9/ 509).

ولا يفتقر هذا الأخذ إلى حكم حاكم.

قال الزركشي رحمه الله: " قوله: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، وهو صريح في أن لها أن تأخذ بغير إذنه، والحكم للواحد حكم لغيره، إما بطريق عرف الشرع، كما نقوله، أو بالقياس، كما يقوله الأكثرون.

وكأن المعنى في ذلك: أن الحاجة تدعو إلى ذلك، إذ النفقة تجب كل يوم، فالمرافعة إلى الحاكم تشق، أو تتعذر، فجوز الشرع أخذ الكفاية بالمعروف، دفعا للحرج والمشقة" انتهى من "شرح الزركشي على مختصر الخرقي" (6/ 6).

وقال ابن قدامة رحمه الله: "فرخص النبي -صلى الله عليه وسلم- لها في أخذ تمام الكفاية بغير علمه؛ لأنه موضع حاجة، فإن النفقة لا غنى عنها، ولا قوام إلا بها، فإذا لم يدفعها الزوج، ولم تأخذها، أفضى إلى ضياعها وهلاكها، فرخص لها في أخذ قدر نفقتها، دفعا لحاجتها. ولأن النفقة تتجدد بتجدد الزمان، شيئا فشيئا، فتشق المرافعة إلى الحاكم" انتهى من "المغني" (11/ 357).

وأخيراً..

لابد من التنبيه إلى أمر في غاية الأهمية، ألا وهو ما يجب عليك من بر والدك، وحسن التعامل معه والإحسان إليه، ومراعاة ظروفه مهما حصل منه من تقصير، فإن الله تعالى أمر بالإحسان إلى الوالدين وحسن صحبتهما ولو كانا كافرين ، قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ‌وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23-24] . والإحسان اليهما في كل شيء، ونبه على حسن الخطاب والتودد بلغة اللسان وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، والاحترام والتقدير بلغة الجسد وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ.

وقال: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ‌وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: 15].

 وتأملي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (‌الوَالِدُ ‌أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ البَابَ أَوْ احْفَظْهُ) الترمذي (1900) وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (2486).

والله أعلم.

المراجع

الفقه
النفقة
فقه الأسرة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android