أخي الكريم: قرأت رسالتك وتفهمت معاناتك، كان الله في عونك.
وما تضمنته رسالتك يحتاج لبيان عدة أمور:
أولاً:
لابد عند محاولة حل أي مشكلة أن نبحث عن الأسباب الحقيقية لها، وقد ذكرت طرفاً منها، مثل إهمالك لأهلك فترة من الزمن (ولنا حديث حول هذه الجزئية). ولكنك أغفلت السبب الرئيس فيما آلت إليه الأمور.
ثانياً:
أغلب المشكلات في مثل حالتك سببها الحقيقي وجود المرأة في بيئة عمل مختلطة، حيث تسمع من زملاء العمل الكلام المعسول، وترى منهم السلوك الودي المتصنع، فينتج عنه اهتزاز عاطفي عند المرأة (سواء كانت عزباء أو متزوجة) فالمرأة سريعة التأثر، كثيرة المقارنة. فتقارن حال زوجها بمن تراه وكلامهم بكلامه، فينشأ الإعجاب في القلب، ثم تتكون العلاقات باسم الزمالة والصداقة خارج إطار العمل، ثم تتعلق المرأة بغير زوجها وتبدأ باختلاق المشكلات والنفرة من زوجها؛ وكم تهدمت بيوت كانت مستقرة، وانتهى حب ووئام بين زوجين بسبب الاختلاط.
ولذا جاءت الشريعة بسد هذا الباب فشرعت الحجاب ومنعت الاختلاط، لتبقى السكينة الاجتماعية وتستقر النفوس وتهدأ القلوب، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا. وَشَرُّهَا آخِرُهَا. وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا. وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا) رواه مسلم (440).
وإذا كان هذا في حالة العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم والمسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغرائه، فكيف بغيرها من الأحوال.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وضع الوسائل للمحافظة على حالة التباعد وعدم الاختلاط بين الجنسين عند الخروج من المسجد والدخول إليه، ومن ذلك أنه أفرد في المسجد باباً خاصاً للنساء يدخلن ويخرجن منه لا يخالطهن ولا يشاركهن فيه الرجال، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ) رواه أبو داود (462).
قال ابن رسلان: "وفيه دليل على أنه لا يجوز اختلاط الرجال بالنساء، في مسجد ولا غيره، لما فيه من المفسدة العظيمة" "انتهى من "شرح سنن أبي داود لابن رسلان" (3/ 597).
ومن ذلك تشريعه للرجال إماما ومؤتمين أن لا يخرجوا فور التسليم من الصلاة، إذا كان في المسجد نساء، حتى يخرجن وينصرفن إلى دورهن حتى لا يحصل الاختلاط بين الجنسين ولو بدون قصد، إذا ما خرجوا جميعاً.
فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: " كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ، قَامَ النساء حتى يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأُرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ، قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ من انصرف من القوم" رواه البخاري (802). وهذا في المسجد الذي تكون الروح فيه سامية ومترفعة عن الشهوات فغيره من باب أولى.
ثالثاً:
ما ذكرته من علاقة زوجتك بزميلها بالعمل، والرسائل العاطفية المتبادلة بينهما أمر في غاية الخطورة، وخاصة أنها قد اعترفت واعتذرت، ثم تكرر منها، وتصريحها أنها لا تطيق العيش معك، فهذا يعني أنّ قلبها ينازعك فيه شخص آخر، وما السلوك والنفرة التي تراها منها-خاصة بعد اهتمامك بها- إلا نتيجة لهذا الأمر.
وخاصة أن رسائل الرجل الذي تربطها علاقة به فيها إفساد واضح لحال زوجتك ، وقد أثر ذلك فيها، خاصة مع ضعف النساء وعدم اعتبارهن للمآلات، وعدم القدرة على تمييز الوعود الكاذبة عند التعلق العاطفي.
رابعاً:
إذا ظهر لك حسن توبة زوجتك واستقامتها فننصحك أن تمسكها، لأجل الأولاد، فوضعهم يدعو للتريث في أي الخيارات أنفع، فقد جاء في الحديث الصحيح : (إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ) رواه ابن ماجه وصححه الألباني في" صحيح الجامع" (7160).
وحاول تلمس الأسباب التي دفعتها إلى هذه العلاقة المحرمة، فربما كان تقصيرك في حقها -كما ذكرت- وعدم إشباع رغباتها العاطفية .
وألزمها بتغيير بيئة عملها إلى بيئة غير مختلطة، إن كان هناك حاجة لعملها، فإن لم يتيسر عمل غير مختلط، فلا بد من ترك الوظيفة المختلطة، وإلا فإن سبب المشكلة قائم وستنشط أعراضه مرة أخرى، لأن الميل بين الرجل والمرأة مما جُبل عليه الإنسان، وخاصة بين شخصين قد قامت بينهما علاقة وودٌّ.
وينظر للأهمية: جواب السؤال رقم: (220186).
ولا تسمح لها بعمل أي كلمة سر للجوال، واجعل من صلاحياتك الاطلاع عليه وبأي وقت، فهذا ليس من التجسس، وإنما من الحماية والوقاية والعلاج.
خامساً:
إذا كنت لا ترجو صلاحها، ويغلب على ظنك عدم استقامتها وتركها لما هي عليه، فالذي ينبغي هو تطليقها، فالفراق والطلاق أصلح لك دينا ودنيا، وخيرٌ لمستقبل أولادك ، فالمرأة المتذمرة المتعلق قلبها بغير زوجها، لا تصفو معها حياة، ولا تُؤمن على بيتها وأبنائها، ولا على حفظ عرض، وليس من الحكمة أن يمضي الإنسان ما بقي من عمره في نكد وشقاء، فإن الله تعالى قد جعل الطلاق حلاً ولم يجعله مشكلة وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء: 130]، ولذا أوصى إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل عليه السلام، بطلاق امرأته ، لما وجدها امرأة متذمرة، وأوصاه أن يمسك الأخرى المتفهمة الشاكرة. وأصل الرواية في البخاري (3183).
سادساً:
ما يخص الفقرة من سؤالك حول (هل يجوز لها طلب الطلاق أو الخلع؟ أريد أن أعطيها تفويض الطلاق من أجل محاولة الإصلاح هل يجوز ذلك؟).
فأما جواز طلبها للطلاق أو الخلع، فهو جائز لمن طلبته لسبب صحيح، وأما طلبها له من غير سبب صحيح فهو يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ) الترمذي (1187) وصححه الألباني في "غاية المرام" (263).
وأما ما أشرت إليه من إعطائها تفويضا بالطلاق لأجل الإصلاح، فالأصل أنه جائز شرعاً أن تجعل أمرها إليها في الطلاق.
جاء في "الموسوعة الفقهية": "اتفق الفقهاء على: جواز تفويض الطلاق للزوجة" انتهى من "الموسوعة الفقهية الكويتية" (13/ 110).
ولكن هذا الإصلاح بعيد في مثل حالتك، فما علاقة تفويضها بالطلاق بالإصلاح ؟ بل ذلك عكس الإصلاح، فهي تطلب الطلاق، فمتى ملكته طلقت نفسها في الحال.
وختاماً: نسأل الله أن يهديكم ويصلحكم ويلهمكم رشدكم ويصلح ذات بينكم.
والله أعلم.