لابد من معرفة ما تلفظ به زوجك وماذا نوى به ، حتى نعلم هل هو ظهار أم طلاق أم يمين ؟ ولكن ... إذا قال الرجل لزوجته: إن فعلتُ كذا، فأنت علي حرام كأمي وطالق، فهو ظهار وطلاق معلقان على شرط.
والجمهور على أنه إن وقع الشرط وقع الظهار والطلاق، فلو كلم أختك أو رآها، وقع عليه طلقة، ولزمه كفارة الظهار، ولا يحل له أن يقربك حتى يكفّر، وكفارة الظهار: عتق رقبة، فإن لم يجدها، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع لمرض أو كبر فإطعام ستين مسكينا.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المجادلة/3، 4.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الظهار المعلق كالطلاق المعلق، يحتمل أن يكون ظهارا، ويحتمل أن يكون يمينا، بحسب نية قائله، فإن أراد بكلامه الحث أو المنع، ولم يرد الظهار، فهو يمين، وإن أراد الظهار فهو ظهار.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، واختاره من جمع من المفتين المعاصرين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: "إذا حلف الرجل بالحرام فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا. أو: الحل علي حرام، لا أفعل كذا. أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت كذا. أو ما يحل للمسلمين، يحرم علي إن فعلت كذا. أو نحو ذلك وله زوجة:
ففي هذه المسألة نزاع مشهور بين السلف والخلف؛ ولكن القول الراجح أن هذه يمين من الأيمان لا يلزمه بها طلاق، ولو قصد بذلك الحلف بالطلاق. وهذا مذهب الإمام أحمد المشهور عنه، حتى لو قال: أنت علي حرام ونوى به الطلاق لم يقع به الطلاق عنده.
ولو قال: أنت علي كظهر أمي، وقصد به الطلاق: فإن هذا لا يقع به الطلاق عند عامة العلماء، وفي ذلك أنزل الله القرآن؛ فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقا، والإيلاء طلاقا، فرفع الله ذلك كله، وجعل في الظهار الكفارة الكبرى. وجعل الإيلاء يمينا يتربص فيها الرجل أربعة أشهر: فإما أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان.
كذلك قال كثير من السلف والخلف: إنه إذا كان مزوجا فحرم امرأته، أو حرم الحلال مطلقا: كان مظاهرا. وهذا مذهب أحمد.
وإذا حلف بالظهار والحرام: لا يفعل شيئا، وحنث في يمينه: أجزأته الكفارة في مذهبه.
لكن قيل إن الواجب كفارة ظهار، وسواء حلف، أو أوقع. وهو المنقول عن أحمد.
وقيل: بل إن حلف به: أجزأه كفارة يمين. وإن أوقعه لزمه كفارة ظهار. وهذا أقوى، وأقيس على أصول أحمد وغيره.
فالحالف بالحرام: يجزيه كفارة يمين، كما يجزئ الحالف بالنذر إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج. أو مالي صدقة كذلك إذا حلف بالعتق يجزئه كفارة عند أكثر السلف من الصحابة والتابعين.
كذلك الحلف بالطلاق؛ يجزئ فيه أيضا كفارة يمين، كما أفتى به [جماعة] من السلف والخلف والثابت عن الصحابة لا يخالف ذلك؛ بل معناه يوافقه.
فكل يمين يحلف بها المسلمون في أيمانهم، ففيها كفارة يمين كما دل عليه الكتاب والسنة.
وأما إذا كان مقصود الرجل أن يطلق أو أن يعتق أو أن يظاهر: فهذا يلزمه ما أوقعه سواء كان منجزا أو معلقا ولا يجزئه كفارة يمين. والله سبحانه أعلم”.
ثم قال: "ويتصل بهذا " إذا حلف بالظهار أو بالحرام "، على حض أو منع، كقوله إن فعلت هذا فأنت علي كظهر أمي أو حرام؛ أو الحرام يلزمني أو الظهار لا أفعله أو لأفعلنه: فهذا أصحابنا فيه إذا حنث بالظهار كما أنه يقع به الطلاق والعتق؛ ولهذا قالوا في أيمان المسلمين: منها الظهار.
وكنت أفتي بهذا تقليدا؛ ولما ذكروه من الحجة من أنه حكم معلق بشرط، كما لو قال: إن فعلت هذا فأنت علي حرام. عقوبة لها على فعله.
وأفتيت بعد هذا: أن عليه كفارة يمين إذا كان مقصوده عدم الفعل وعدم التحريم، كما قلناه في مسألة " نذر اللجاج والغضب " وكما قلناه في قوله: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا وقوله: هو يستحل الخمر والميتة إن فعل كذا". انظر: "مجموع الفتاوى" (35/ 318-320). وينظر: "الرد على السبكي" (1/155-156).
وقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، آل الشيخ، رحمه الله: "والذي يَقوى، وعليه الفتوى: أنه إذا حلف بالظهار - أنت علي حرام - فهو يمين مكفرة، لأنه شيء لا يريد به إلا التحريم؛ فهو شبيه باليمين، فإذا صدر بصيغة اليمين، فهو يمين مكفرة، وإذا صدر بصيغة الظهار فهو ظهار. (تقرير)" انتهى، من "فتاوى ورسائل الشيخ". (11/ 78).
وسئل الشيخ ابن إبراهيم، أيضا: عمن قال: مثل أمي ما أذوق لك طعاماً، أو ذبيحة؟
فأجاب: أما من قال: مثل أمي ما أذوق لك طعاماً، أو ذبيحة، ومراده: تشبيه زوجته بأمه: فإن هذا حلف بالظهار.
فإن لم يأكل؛ فلا حنث. وإن أكل: حنث. ويلزمه حكم الظهار عند الأصحاب.
وعند الشيخ تقي الدين، وابن القيم: أن الحالف بالظهار، لا يلزمه إلا كفارة يمين، وهذا هو الذي نفتي به". انتهى، من "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" (7/ 320).
وينظر فتوى الشيخ صالح الفوزان بذلك، في جواب السؤال رقم: (121556).
وعليه ؛ فإذا لم يرد زوجك الظهار حين تكلم، أي لم يخطر بباله أن تكوني محرمة عليه، وإنما أراد منع نفسه من رؤية أختك وكلامها، فإن فعل فعليه كفارة يمين. والأحوط أن يخرج كفارتين، لطلاقه وظهاره.
وإن كان في نية زوجك، حين تكلم بذلك: أن "تحرمي عليه"، وقع عليه الظهار، والطلاق. فيلزمه كفارة الظهار، إن أراد أن يردك إليه، وتحتسب عليه طلقة بكل حال.
والله أعلم.