قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا). الأنفال/58.
وعن أَبي هريرة رضي الله عنه: أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (آيةُ المُنافقِ ثلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعدَ أخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وفي رواية: (وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ).
وروى البخاري (2449) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ) .
قال ابن الأثير رحمه الله في "النهاية" (1 / 1035) :
" يقال تحلَّلته واستحللته : إذا سألته أن يجعلك في حِلٍّ من قِبَله " انتهى .
قال علماء اللجنة :
" يجب على من أخذ مال غيره بغير إذنه أن يرده عليه ، ولو كان وقت أخذه له صغيرا ، ويطلب منه المسامحة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت عنده لأخيه مظلمة فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ) " انتهى .
"فتاوى اللجنة الدائمة" (15 /373). وانظر: إجابة رقم: (175812).
فإذا حصل تواصل مع أصحاب الحق، فلا تتصرفي في هذه الوديعة إلا بعد مشورتهم، لأنك تستطيعين استئذانهم.
فإذا مكثْتِ زمناً كافياً في البحث عنهم فلم تجديهم:
فإن كانت الكتب وقفاً، فإنها توضع فيما وقفت عليه، كأن تكون في مكتبة وقفية يكثر قراؤها، أو تعطى من ينتفع به من طلبة العلم، ونحو ذلك.
وإن كانت الأمانة مالاً ؛ فإنه يُتصدق به للفقراء، أو يجعل في أبواب البر العامة، والمشاريع الخيرية بنية الثواب لصاحبها، كبناء مسجد أو معهد علمي أو في أي عمل خير.
على أنه إذا جاء صاحبه المال؛ فإنه يضمنه لصاحبه، إلا أن يوافق صاحب الحق على ما وضع فيه، ويقر المؤتمن على تصرفه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" المال إذا تعذر معرفة مالكه صرف في مصالح المسلمين عند جماهير العلماء، كمالك وأحمد وغيرهما، فإذا كان بيد الإنسان غصوب أو عوارٍ أو ودائع أو رهون قد يئس من معرفة أصحابها فإنه يتصدق بها عنهم، أو يصرفها في مصالح المسلمين، أو يسلمها إلى قاسم عادل يصرفها في مصالح المسلمين المصالح الشرعية.
ومن الفقهاء من يقول: توقف أبدا حتى يتبين أصحابها؟
والصواب الأول. فإن حبس المال دائما لمن لا يرجى لا فائدة فيه؛ بل هو تعرض لهلاك المال واستيلاء الظلمة عليه. وكان عبد الله بن مسعود قد اشترى جارية فدخل بيته ليأتي بالثمن فخرج فلم يجد البائع، فجعل يطوف على المساكين ويتصدق عليهم بالثمن، ويقول: اللهم عن رب الجارية، فإن قبل فذاك وإن لم يقبل فهو لي، وعلي له مثله يوم القيامة.
وكذلك أفتى بعض التابعين من غل من الغنيمة وتاب بعد تفرقهم أن يتصدق بذلك عنهم، ورضي بهذه الفتيا الصحابة والتابعون الذين بلغتهم كمعاوية وغيره من أهل الشام ... " انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/321).
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله في فتاوى "نور على الدرب" (19/190):
"إذا كان على الإنسان دين، ولم يعرف صاحب الدين، يعني انتقل إلى مكان آخر، أو سافر، وهكذا لو كان عنده وديعة، أو عارية، وذهب صاحبها، ولم يدر عنه، ولم يعرفه؛ لأنه بعد التحري وبعد بذل المستطاع في التعرف عليه، أو على مكانه، إذا عجز، فإنه ينتظر المدة المناسبة، لعله يأتي صاحبه إليه، إن كان يعرفه، وإن لم يأت، فإنه يتصدق بذلك على الفقراء والمساكين، أو يصرف ذلك في بعض المشاريع الخيرية، كتعمير المساجد، ودورات المياه، وما أشبه ذلك من المشاريع الخيرية، ويكون الأجر لصاحبه، ينويه عن صاحب المال، والله يوصل إليه أجره سبحانه وتعالى، لكن إذا تريث بعض المدة، لعله يأتي من باب الاحتياط فحسن، ثم إذا جاء صاحب الحق، فهو بالخيار، إن شاء قبل الصدقة، وصارت له الصدقة، وإن شاء طلب حقه، فتعطيه حقه، ويكون الأجر لك بما تصدقت به" انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
" وقوله: "وإن جهل ربه" أي: رب المغصوب أي: مالكه، فهل يقال هذا في كل مال مجهول صاحبه؟
الجواب: نعم، كوديعة أودعها الإنسان ثم نسي الذي أودعها إياه، فنقول: إذا نسيت وأيست تصدق به مضمونا، كذلك لو أن إنسانا يعمل خياطا وأعطاه شخص ثوبا ليخيطه وذهب الرجل وأيسنا منه، فماذا يصنع الخياط في هذا الثوب؟ يتصدق به مضمونا...
فالقاعدة إذا: (كل من بيده مال جهل صاحبه وأيس من العثور عليه فله أن يتصدق به بشرط الضمان) " انتهى من "الشرح الممتع" (10/195).
انظر: إجابة رقم: (393107) .
والله أعلم.