175

ما المقصود بالمجلس الذي ينهى عن إقامة الجالس فيه؟

السؤال: 483388

أنا صاحب عمل، ولدي عامل، فإذا دخل علينا زبون أو ضيف طلب من العامل أن يقوم ليجلس الضيف، أو الزبون فهو لا يقوم من نفسه، فما الحكم؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ).

وفي رواية للبخاري: (نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا).

وفي رواية لمسلم: (لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا).

والحديث يدل على أنه ليس للرجل أن يقيم أخاه من مجلسه ليجلس فيه، بل السنة في حقه أن يجلس حيث انتهى به المجلس.

قال الحافظ ابن حجر: "من ‌سبق ‌إلى ‌مجلس ‌علم، أو مجلس رئيس، لا ينحَّى منه لمجيء من هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور، بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس"، انتهى من "فتح الباري" (10/ 76).

وظاهر الحديث يدل على أنه يحرم على الإنسان أن يقيم غيره من مجلسه.

قال القرطبي في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (5/ 509): "نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يقام الرجل من مجلسه: إنما كان ذلك لأجل أن السَّابق لمجلس قد اختُصَّ به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ غرضه؛ فكأنه قد ملك منفعة ما اختصَّ به من ذلك، فلا يجوز أن يُحال بينه وبين ما يملكه، وعلى هذا فيكون النهي على ظاهره من التَّحريم، وقيل: هو على الكراهة. والأول أولى"، انتهى

والحكمة من هذا النَّهي أمران:

الأول: منع تكبر بعض الناس على بعض، لأن إقامة هذا الرجل من مجلسه وإجلاس غيره مكانه، فيه استنقاص حقّ المسلم واستصغار له، ونوع تكبر من الرجل الجالس مكانه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حث على التَّواضع المقتضي للمواددة.

الثاني: أن مثل هذا العمل يوجب الضغائن في الصدور والأحقاد.

"وأيضا فالناس في المباح كلهم سواء، فمن سبق إلى شيء استحقه، ومن استحق شيئا فأُخذ منه بغير حق، فهو غصب، والغصب حرام". "فتح الباري" لابن حجر (11/63).

ثانيًا:

المجالس نوعان:

1-مجالس عامة: وهي سائر الأماكن المباحة التي يستوي حق جميع الناس فيها، كالمساجد، والأسواق، والمكتبات العامة، والحدائق، ونحوها.

فهذه المجالس يكون حق الجلوس فيها لمن سبق، وليس لأحد أن يقيم أحدا من مجلسٍ سبقه إليه.

ومثل هذه المجالس: هي المقصود أصالة من هذا الحديث.

ولذا نجد في كلام أهل العلم تقييد الحكم بالمجلس "المباح"؛ أي الذي ليس له مالك معين.

وبوب عليه النووي في "صحيح مسلم" (4/ 1714): "‌‌باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه".

وقال في "شرحه على صحيح مسلم" (14/160): "فمن سبق إلى موضع مباح في المسجد وغيره يوم الجمعة أو غيره، لصلاة أو غيرها: فهو أحق به، ويحرم على غيره إقامته لهذا الحديث". انتهى، ومثله في "الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (10/3066).

وقال المهلب: "لا يجوز أن يقيم أحدٌ أحدًا من مكانه؛ لأنه من سبق إلى موضع من مواضع الجماعات، التي تتساوى الناس فيها: فهو أحق به، لبداره إليه"، نقله عنه في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (7/513).

وقال ابن الفرس في "أحكام القرآن" (3/534): "وتأوله قوم على الوجوب، وقالوا: لا ينبغي لمن سبق إلى مجلس ‌مباح للجلوس فيه أن يقام منه".

وقال زكريا الأنصاري في "منحة الباري بشرح صحيح البخاري" (9/331): "والمراد بالمجلس: المجلس ‌المباح".

وقال الفيومي: "هذا النهي للتحريم، فمن سبق إلى موضع ‌مباح من المسجد يوم الجمعة أو غيره لصلاة أو غيرها، أو خان، أو منزل مسافر: فهو أحق به، ويحرم على غيره إقامته منه لهذا الحديث"، انتهى من "فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب" (12/266).

2-مجالس خاصة: وهي التي تكون ملكا لشخص معين، كالبيوت، والمتاجر، والمكاتب، ونحوها.

فهذه لا حق لأحد في الجلوس فيها إلا بإذن المالك، لما رواه مسلم (673) عن أبي مسعود الأنصاري؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ).

"التكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراش أو سرير مما يعد لإكرامه"، انتهى من "النهاية في غريب الحديث والأثر" (4/168).

وإذا إذن المالك لشخص بالجلوس في مكان منها، فلا يحق لأحد أن يقيمه منه ليجلس فيه.

ومن حق مالك المكان أن يُجلس من يشاء أو يقيم من يشاء، فهو ملكه وله حق التصرف فيه كما يريد.

قال ابن هبيرة: "فيه من الفقه أنه من أتى إلى موضع فجلس فيه، فإن كان في مسجد فهو أحق به من غيره، ولا يجوز لغيره أن يقيمه منه ويجلس فيه، وكذلك إن كان في الأرض المباحة.

فإن كان في منزل إنسان فسبق سابق وجلس بإذن صاحب المنزل؛ فإنه لا يجوز لغير ذلك المأذون له أن يفتئت على السابق إلى الموضع وعلى صاحب المنزل معاً ويجلس هو فيه، فيكون غاصباً مفتئتاً سيء الأدب". انتهى من "الإفصاح عن معاني الصحاح" (4/116).

وقال ابن أبي جمرة: "هذا اللفظ عام في المجالس، ولكنه مخصوص بالمجالس المباحة، إما على العموم كالمساجد ومجالس الحكام والعلم، وإما على الخصوص كمن يدعو قوما بأعيانهم إلى منزله لوليمة ونحوها.

وأما المجالس التي ليس للشخص فيها ملك ولا إذن له فيها: فإنه يقام ويخرج منها". نقله عنه في "فتح الباري" لابن حجر (11/63).

فالمجالس الخاصة غير مرادة بهذا الحديث ولا هي مقصودة به، كما ذكر الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (3/313): "إنما يريد به المجالس العامية التي ليست بمملوكات لا المجالس الخاصية المملوكات، كالمساجد وكالصحاري التي ينزلها الناس، وكالمواضع من الأمصار المأذون للناس فيها". انتهى

ولذلك نجد في كلام العلماء في شرح الحديث تقييد ذلك بالمجلس (المباح)، أي الذي يستوي الناس في إباحة الانتفاع به، ولا يختص به أحد دون آخر.

بل عدَّ قوام السنة الأصبهاني الحديث داليلا على "تساوي أحوال المسلمين في الحقوق". انتهى من "التحرير في شرح صحيح مسلم" (ص518)

وبناء على ما سبق:

فلا حرج على الإنسان من إقامة آخر من مكانٍ يملكه ليُجلس فيه غيره، وخاصة إذا كان أكبر منه سنًا، أو له مكانة ووجاهة، أو لكونه ضيفا، ونحو ذلك.

ولذا، فطلبك من العامل أن يقوم ليجلس الزبون لا حرج فيه، فهو ملكك تجلس فيه من تشاء وتقيم من تشاء.

ثالثًا:
مع تقرير ما سبق من الجواز في الجملة في المجالس الخاصة المملوكة، ينبغي التنبيه إلى أن الحكم الشرعي لا ينفك عن مراعاة الأدب، والعرف، وحسن التصرّف، ودفع الحرج عن المسلمين.
فليس كل ما كان جائزًا من حيث الأصل يكون لائقًا في كل حال؛ إذ قد يكون الفعل مباحًا، لكن يُترك مراعاةً لآداب المعاشرة، أو دفعًا للإحراج، أو لما قد يفضي إليه من كسر الخاطر، ومخالفة المروءة.
فإقامة الجالس من مجلسه المأذون له فيه – وإن كانت جائزة في المجلس المملوك لصاحبه – قد تكون خلاف الأولى، أو مخالفة للأدب، أو موجبة للحرج، بحسب حال المُقام، وطبيعة العلاقة، والعرف الجاري بين الناس.
وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال:
فإقامة الابن، أو الأخ الأصغر، أو العامل، أو الخادم، أو من جرى العرف بامتثاله لمثل ذلك: لا يُعدّ غالبًا من سوء الأدب، ولا يوقع حرجًا، لقيام علاقة العمل، أو الولاية، أو المؤانسة، وتقبُّل النفوس لمثل هذا التصرّف.
أما إقامة ضيف، أو زائر، أو شخص لا تربطه بصاحب المكان علاقة تَحمُّل أو تبعية: فقد يكون ذلك في العرف من خلاف الأدب، لما فيه من إحراجه، أو إشعاره بالتفضيل عليه بغير موجب ظاهر، أو انتقاص مكانته.
ولهذا؛ فإن الأولى والأكمل أن يُراعى في ذلك: حال الشخص المُقام، وما جرى به عرف الناس، وما يحقق طيب النفوس، وسلامة الصدور، وحسن المعاملة.
وما جاز حكمًا قد يُترك أدبًا.
والله أعلم

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android