أولاً:
لا شك أنّ الزنا من أعظم الذنوب، ومن كبائر المعاصي التي جاء فيها من الوعيد والعقوبة ما يدل على شدة خطره، لما فيه من انتهاك للأعراض، وفساد في الأرض، ومخالفة للفطرة السليمة والعقل السوي.
وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى أن حد الزنا اختُص من بين الحدود بثلاث خصائص:
أولها: أن فيه أشد العقوبات، كالقتل في بعض الحالات، أو الجلد والتغريب، مما يجمع بين ألم الجسد وغربة الروح.
وثانيها: أن الله نهى عن الرأفة التي تمنع إقامة الحد، لأن رحمته الحقيقية بالخلق تقتضي تنفيذ ما شرعه من حدود.
وثالثها: أن يُنفّذ الحد في مشهد من المؤمنين، ليكون أعظم في الزجر والعبرة. انظر: "الجواب الكافي " (ص164).
وانظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (147055).
ورغم فداحة هذا الذنب، فإن باب التوبة مفتوح، ورحمة الله أوسع. فمن تاب توبة صادقة، وندم على فعله، وعزم على عدم الرجوع، غفر الله له، بل وعده بأن يبدّل سيئاته حسنات، كما في قوله تعالى: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًاً) الفرقان/ 70.
فالتساهل بهذه الكبيرة بحجة أن تمني الشهادة أو الاستغفار يكفّرها أمر في غاية الخطورة على دين المرء، ولا يدري هل قبل استغفاره أم لم يقبل، وهل الاستغفار مع الإصرار ينفعه، فإنّ صدق الاستغفار مقروناً بالندم والإقلاع لا بالملازمة والإصرار كما سيأتي بيانه.
فعليك بالتوبة النصوح الصادقة التي يصاحبها دوام الاستغفار.
وللفائدة انظر الفتاوى: (60269)، (169677)، (159349).
ثانياً:
جاءت النصوص ببيان ما أعده الله للشهيد من الأجر والثواب والكرامة، وأنه يغفر له جميع ذنوبه إلا الدين، ولم يستثنِ الكبائر، ولا يصح تقييد ما أطلق في النصوص إلا بدليل، وقد قيده الحديث بالدين، وذهب بعض أهل العلم إلى إلحاق حقوق الآدميين الأخرى كالغصب ونحوه وقالوا هو أولى من الدين.
فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ (أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ) فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَعَمْ. إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَيْفَ قُلْتَ؟) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَعَمْ. وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ. إِلَّا الدَّيْنَ. فَإِنَّ جبريل عليه السلام، قال لي ذلك) رواه مسلم (1885).
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله:
"وقول السَّائل: (أرأيت إن قتلت في سبيل؛ أتكفر عني خطاياي)؛ هذا بحكم عمومه يشمل جميع الخطايا، ما كان من حقوق الله تعالى، وما كان من حقوق الآدميين. فجوابه بـ (نعم) مطلقًا يقتضي تكفير جميع ذلك، لكن الاستثناء الوارد بعد هذا يبيّن أن هذا الخبر ليس على عمومه؛ وإنما يتناول حقوق الله تعالى خاصَّة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إلا الدَّين) وذكره الدَّين تنبيه على ما في معناه من تعلق حقوق الغير بالذمم، كالغصب، وأخذ المال بالباطل، وقتل العمد، وجراحه، وغير ذلك من التبعات" انتهى من "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (3/ 713).
وقال النووي رحمه الله:
(" قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا الدَّيْن ) فِيهِ تَنْبِيه عَلَى جَمِيع حُقُوق الْآدَمِيِّينَ , وَأَنَّ الْجِهَاد وَالشَّهَادَة وَغَيْرهمَا مِنْ أَعْمَال الْبِرّ: لَا يُكَفِّر حُقُوق الْآدَمِيِّينَ , وَإِنَّمَا يُكَفِّر حُقُوق اللَّه تَعَالَى " انتهى من "شرح مسلم" (13/9).
وعَنْ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ) رواه الترمذي (1663) وصححه الألباني.
وينظر الفتوى: (186979) ففيها تفصيل نافع.
ثالثا:
من سال الله الشهادة بصدق فإن الله يبلغه منازل الشهداء، ولو مات على فراشه، كما ثبت في الحديث أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من سأل الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) رواه مسلم (1909).
وقوله (بصدق): يعني: أنه كان صادق النية، صادق العزم، على الجهاد في سبيل الله، خالص النية لنصرة دينه، لولا أن منعه العذر عن ذلك.
قال التوربشتي، رحمه الله: يعني: مَنْ طلبَ مِن الله أنْ يجعله شهيدًا عن نية خالصة آتاه الله أجرَ الشهداء بصدق نيته، وإن ماتَ على فراشه. انتهى، من "المفاتيح في شرح المصابيح" (4/ 344).
وقوله: (من سأل الله الشَهادة بصدق بلَّغه الله تعالى منازلَ الشُهداء؛ وإن مات على فراشه)؛ هذا يدلُّ على صحة ما أصَّلناه في الباب الذي قبل هذا، وهو: أنَّه مَن نوى شيئا من أعمال البرِّ، ولم يتفق له عملُه لعذرٍ، كان بمنزلة مَن باشر ذلك العملَ، وعَمِلَه. انتهى، من "المفهم" (3/ 751).
وقال تقي الدين السبكي، رحمه الله: "والذي نعتقده: أن الله يعطيه مرتبة الشهداء، لقصده، وسؤاله، وعدم تمكنه من الوصول إليها" انتهى، "فتاوى السبكي" (2/ 351).
رابعا:
لا شك أن من قتل في سبيل الله، فهو أعظم في الفضائل، وأنواع الأجر، ممن تمنى الشهادة، فحيل بينه وبينها. فمنازل الشهداء التي يعطاها العازم بصدق، لا يلزم أن تكون مساوية لما يناله الشهيد من كل وجه. وإذا قدر أنه نزل منازله في الآخرة، فللشهيد من الفضائل ما يختص به، كما أن له من الأحكام ما يختص به دون شهداء الآخرة.
قال ابن القيم، رحمه الله:
"ولا يلزم من استوائهما في أصل الأجر استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، فإن الأجر على العمل والنيّة له مزية على الأجر على مجرد النية التي قارنها القول، ومن نوى الحجّ ولم يكن له مال يحجّ به وإن أثيب على ذلك، فإن ثواب من باشر أعمال الحجّ مع النية، له مزيّة عليه.
وإذا أردت فهم هذا، فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من سأل اللَّه الشهادة خالصًا من قلبه بلغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه ولا ريب أن ما حصل للمقتول في سبيل اللَّه من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على ما حصل لناوي ذلك إذا مات على فراشه وإن بلغ منزلة الشهيد.
فهاهنا أمران: أجر وقرب، فإن استويا في أصل الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرًا زائدًا وقربًا خاصًّا، وهو فضل اللَّه يؤتيه من يشاء وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه"، فاستويا في دخول النار، ولا يلزم استواؤهما في الدرجة ومقدار العذاب، فأعطِ ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم حقّها، ونزّلها منازلها، يتبيّن لك المراد.
يوضّح هذا: أن فقراء المهاجرين شكوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول اللَّه ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصومون كما نصوم، ويصلون كما نصلي، ولهم فضول أموال يحجّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون، قال: "أفلا أعلّمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "تسبّحون، وتكبّرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين"، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الحديد: 21] ".
فلو كانوا يلحقونهم في مقدار الأجر بمجرد النية، لقال لهم: انووا أن تفعلوا مثل فعلهم فتنالوا مثل أجرهم، فلما أعاضهم عما فاتهم من ثواب الصدقة والعتق والحجّ والاعتمار، بتحصيل نظيره بالذكر، عُلم أن الأغنياء قد فضلوهم بالإنفاق، فلما شاركوهم في الذكر بقيت مزية الإنفاق، فشكوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن الامتياز لم يزل، وأنهم قد ساوونا في الذكر كما ساوونا في الصلاة والصوم، فأخبرهم أن ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، فلو كان لهم سبيل إلى مساواتهم من كل وجه بالنية والقول لدلّهم عليه.". انتهى، من "عدة الصابرين" (493-495).
وقال المناوي رحمه الله:
"(من سأل الله الشهادة بصدق) قيَّدَ السؤال بالصدق، لأنه معيار الأعمال، ومفتاح بركاتها، وبه ترجى ثمراتها.
(بلغه الله منازل الشهداء): مجازاةً له على صدق الطلب. وفي قوله منازل الشهداء بصيغة الجمع: مبالغة ظاهرة
(وإن مات على فراشه) لأن كلا منهما نوى خيرا، وفعل ما يقدر عليه؛ فاستويا في أصل الأجر. ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة، استواؤهما في كيفيته وتفاصيله؛ إذ الأجر على العمل، ونيته: يزيد على مجرد النية؛ فمن نوى الحج ولا مال له يحج به، يثاب دون ثواب من باشر أعماله.
ولا ريب أن الحاصل للمقتول، من ثواب الشهادة: تزيد كيفيته وصفاته، على الحاصل للناوي الميت على فراشه، وإن بلغ منزلة الشهيد. فهما وإن استويا في الأجر، لكن الأعمال التي قام بها العامل، تقتضي أثرا زائدا، وقربا خاصا، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء.
فعلم من التقرير: أنه لا حاجة لتأويل البعض، وتكلفه، بتقدير: (من) بعد قوله: (بلغه الله). فأعط ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم حقها وأنزلها منازلها يتبين لك المراد" انتهى من "فيض القدير" (6/ 144).
وقال ابن الأمير الصنعاني رحمه الله:
"(من سأل الله الشهادة بصدق) طلب منه أنه يقبض شهيدًا في سبيله (بصدق) منه (بلغه الله) في الآخرة (منازل الشهداء، وإن مات على فراشه)، لأنَّ الأعمال بالنيات فضلًا منه تعالى وإن تفاوتت الرتبتان، فإن المشبه دون المشبه به" انتهى من "التنوير شرح الجامع الصغير" (10/ 248).
والحاصل:
أن هذا الحديث: إنما اشترط لبلوغ منازل الشهداء: الصدق.
وهذا شرط عظيم الخطر، جليل القدر؛ فمن الذي يضمن لنفسه "الصدق" و"الإخلاص"، وقد كان السلف يخافون على أنفسهم النفاق؛ أعني: نفاق العمل. ويخافون أن تكذب أعمالُهم، وأحوالُهم: ما يقولون، أو يعزمون عليه من النيات.
روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (37701) عن أبي حيان، قال: سمعت إبراهيم التيمي يقول: "ما عرضت قولي على عملي، إلا خشيت أن أكون مكذبا".
وكان سُمْنُونٌ قد غلب عليه مقامُ المَحَبَّةِ فقال:
ولَيْسَ لي في سواك حَظٌّ … فكَيْفَ ما شِئْتَ فاختَبِرْنِي
فابتُلِيَ بعُسْرِ البَوْلِ، فلم يستطع الصبر، فكان يمشي على المكاتب ويقول للصبيان: "ادعوا لعَمِّكم الكذَّاب!!
ذكره القشيري في "الرسالة" (91)، وعنه: ابن العربي في "سراج المريدين" (2/198)، وانظر: "مجموع الفتاوى" (10/241)، "مدارج السالكين" (2/280).
خامساً:
أما سؤالك عن الذكر الوارد في بعض الأحاديث (أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم) هل يكفر الكبائر.
فهذا الذكر ورد فيه حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ؛ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ) رواه الترمذي (3577) وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وقد اختلف أهل العلم في تصحيح وتضعيفه. وصححه الألباني.
ولو صح الحديث فليس معناه أنّ الاستغفار بمجرد اللسان، مع الإصرار على الكبيرة مكفر لها؛ وإنما الاستغفار النافع لصاحبه: هو الذي يصاحبه ندم على ذلك الذنب، وخوف من عاقبته؛ فيقلع عن أسباب سخط الله وعذابه، ويفر بدينه إلى رب العالمين، ويسأله الوقاية من شر ذنبه، وما يستحقه على معاصيه.
قال الراغب الأصفهاني، رحمه الله:
"استغفار الإِنسان وتوبته: يمكن أن يقال: هما في الحقيقة واحد، لكن اختلافهما بحسب اعتبارهما بغيرهما؟
فالاستغفار يقال: إذا استُعمل في الفزع إلى الله تعالى، وطلب الغفران منه.
والتوبة ْتقال: إذا اعتُبر بترك العبد ما لا يجوز فعله وفعل ما يجب.
ولا يكون الإِنسان طالباً في الحقيقة لغفران الله، إلا بإتيان الواجبات، وترك المحظورات، ولا يكون تائبًا إلا إذا حصل على هذه الحالة، ويمكن أن يقال: الاستغفار مبدأ التوبة.
والتوبة تمام الاستغفار، ولهذا قال تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ). انتهى، من "تفسير الراغب الأصفهاني" (3/ 1301).
وقال القرافي، رحمه الله:
"«لا صغيرة مع إصرار. ولا كبيرة مع استغفار، كما قاله السلف.
ويعنون بالاستغفار: التوبة، بشروطها؛ لا طلب المغفرة مع بقاء العزم [=يعني: على المعصية]؛ فإن ذلك لا يزيل كبر الكبيرة؛ ألبتة». انتهى، من "الفروق" (4/ 67).
وقال ابن حجر رحمه الله:
"وقال القرطبي في المفهم يدل هذا الحديث على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه.
لكن هذا الاستغفار هو الذي ثبت معناه في القلب مقارنا للسان لينحل به عقد الإصرار ويحصل معه الندم فهو ترجمة للتوبة ويشهد له حديث خياركم كل مفتن تواب ومعناه الذي يتكرر منه الذنب والتوبة فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة لا من قال أستغفر الله بلسانه وقلبه مصر على تلك المعصية فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى الاستغفار قلت ويشهد له ما أخرجه بن أبي الدنيا من حديث بن عباس مرفوعا التائب من الذنب كمن لا ذنب له والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه" انتهى من "فتح الباري" (13/ 471).
والحاصل:
أن الذي يعول على ذلك، ولا يسارع بالتوبة: يخشى عليه أن يكون من المغترين، الذين استدرجهم الشيطان بالأماني؛ فلا هو سارع بالتوبة، ولا هو جاهد على الحقيقة، فكان مع المجاهدين والشهداء، وبان صدقه؛ إن هي إلا أماني، وأقوال، وتغرير بالنفس، أن يوردها موارد الهلكة، ولا يدري كيف يكون صدورها عنها. ولله الأمر.
وهذا إذا كان صاحب الحال، هو الذي يسأل لنفسه، وينظر في حالها.
وأما إذا السائل، يسأل عن حال غيره؛ فلا ينبغي له أن يتكلف ذلك؛ لأمرين:
الأول: أن من أصول أهل السنة والجماعة: إثبات الشفاعة لأصحاب الكبائر، وأنهم في مشيئة الله جل جلاله، إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم. وأن أهل السنة: يرجون لمسيئهم؛ يعني: يرجون له العفو من أرحم الراحمين، ولا يقطعون في حاله بشيء.
والثاني: أن الصدق، والإخلاص: أمر يشق على المكلف أن يعرفه من نفسه، ويطمئن إلى حالها فيه؛ فكيف به أن يعلمه من غيره؛ ولو قاله له الغير بلسانه؛ فإن صدق القلب والعزم شيء، وقول اللسان: شيء آخر، ولا تلازم بينهما. فقد يكون قائلا بلسانه، ما ليس في قلبه، ولم ينعقد عليه ضميره. وقد يسكت عن حال نفسه، وفي قلبه من الصدق، أو عدم الصدق، ما الله به عليم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ. وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ). رواه البخاري (4351) ومسلم (1064).
فليكل العاقل اللبيب أمر العباد، ومن مات منهم: إلى خالقهم، فهو أعلم بهم، وهو أرحم الراحمين، سبحانه، ولا يهلك على الله إلا هالك.
والله أعلم.