الخميس 12 محرّم 1446 - 18 يوليو 2024
العربية

ما حكم رواية الصحابي لما سمعه ورآه قبل إسلامه؟

515749

تاريخ النشر : 10-07-2024

المشاهدات : 550

السؤال

صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم ممن أسلموا اثناء حياته، هل يؤخذ منهم ما حدثوا به قبل إعلان إسلامهم في الأحاديث؟

ملخص الجواب

لا يشترط في الراوي الإسلام، حال سماعه للخبر أو مشاهدته للحدث، ويشترط الإسلام حال إخباره وتحديثه بما سمعه أو شاهده.

الجواب

الحمد لله.

رواية الراوي لها جانبان، أو مرحلتان:

الأولى: جانب أو مرحلة التحمّل للرواية.

وهي مرحلة سماعه للخبر، أو مشاهدته للحدث الذي سيخبر به.

ففي هذه المرحلة لا يشترط في الراوي إلا الفهم والتمييز لما يسمعه أو يشاهده، ولا يشترط فيه الإسلام.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

" يصح تحمل الصغار الشهادة والأخبار، ‌وكذلك ‌الكفار إذا أدوا ما حملوه في حال كمالهم، وهو الاحتلام والإسلام " انتهى، من " اختصار علوم الحديث"، مع حاشيته "الباعث الحثيث" (ص108).

وقال الذهبي رحمه الله تعالى:

" لا ‌تشترط ‌العدالة ‌حالة ‌التحمّل، بل حالة الأداء، فيصحّ سماعه كافرا وفاجرا وصبيّا؛ فقد روى جبير بن مطعم رضي الله عنه أنّه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بـ ( الطُّور )، فسمع ذلك حال شركه، ورواه مؤمنا " انتهى. "الموقظة" (ص61).

وحديث جبير هذا هو عند البخاري (765)، ومسلم (463).

وقال الزركشي رحمه الله تعالى:

" إنّما لا تقبل رواية الكافر إذا روى في حال كفره، أمّا لو تحمّل وهو كافر ثمّ أدّى في الإسلام قبلت على الصّحيح ...

وفي الصّحيح عَنْ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ: ( أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ )، ولمّا سمع هذا كان كافرا ... ثمّ إنّه رواه بعدما أسلم، وأجمعوا على قبوله " انتهى. "البحر المحيط" (4 / 273).

وقال الخطيب رحمه الله تعالى:

" قد ثبتت روايات كثيرة لغير واحد من الصّحابة، كانوا حفظوها قبل إسلامهم، وأدّوها بعده " انتهى. "الكفاية" (1 / 259).

الثانية: وهي مرحلة الأداء.

وهو إخبار الراوي وتحديثه لغيره بالحديث الذي سمعه أو شاهده.

فهذه المرحلة يشترط فيها في الراوي أن يكون مسلما.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى:

" ويجب أن يكون وقت الأداء مسلما، لأنّ اللّه تعالى قال: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا )، وإنّ أعظم الفسق الكفر، فإذا كان خبر المسلم الفاسق مردودا مع صحّة اعتقاده، فخبر الكافر بذلك أَوْلَى " انتهى. "الكفاية" (1 / 261).

فالراوي إذا كان كافرا فهو مكذب بالحق، فلا يؤمن وحاله هذه أن يكذب ويفتري على هذا الحق.

ويشير إلى هذا: ما رواه البخاري (7)، ومسلم (1773) عَنِ عَبْد اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: " أَنَّ ‌هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ، فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟

قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا. وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ …".

فهنا نرى أبا سفيان رضي الله عنه قبل إسلامه يخبر عن نفسه، أنه كان يود لو أمكنه أن يكذب في الخبر، لولا الحياء من أصحابه.

وقد حُكي الإجماع في عدم قبول خبر الكافر.

قال الزركشي رحمه الله تعالى:

" فلا تقبل رواية الكافر كاليهوديّ والنّصرانيّ إجماعا، سواء عُلِم من دينه الاحتراز عن الكذب أم لا، وسواء عُلِم أنّه عدل في دينه أم لا؛ لأنّ قبول الرّواية منصب شريف، ومكرُمة عظيمة، والكافر ليس أهلا لذلك " انتهى. "البحر المحيط" (4 / 269).

والخلاصة:

لا يشترط في الراوي الإسلام، حال تحمّله للحديث، أي حال سماعه للخبر أو مشاهدته للحدث.

ويشترط في الراوي الإسلام حال الأداء، أي حال إخباره وتحديثه بما سمعه أو شاهده، فلا يقبل الحديث من كافر.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب