هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قباء كل سبت بقصد الصلاة؟

السؤال: 520628

هل صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء لزيارة أهلها لا بقصد الصلاة في المسجد

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي مسجد قباء كل سبت، وفي رواية أنه كان يصلي فيه ركعتين.

فروى البخاري (1193) ومسلم (1399): عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قالَ: "كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأتِي مَسْجِدَ قُباءٍَ كُلَّ سَبْتٍ، ماشِيًا وَراكِبًا"، وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ رضي الله عنه يَفْعَلُهُ.

وفي رواية لمسلم علّقها البخاري: "فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ".

ومن أهل العلم من وجّه الحديث إلى أن هذا المجيء منه صلى الله عليه وسلم لم يكن المقصود به المسجد والصلاة، وإنما كان المقصود تعاهد أهل قباء، ومن تعذر عليه القدوم إلى الجمعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن الملقن رحمه الله تعالى:

"وقال ابن رشد: إنما كان يأتيه لمواصلة الأنصار، والاجتماع بهم فيه، لا لصلاة فريضة، ولا نافلة؛ لأن صلاة الفريضة في مسجده، والنافلة في بيته: أفضل.

وقال الطحاوي: ما روي من إتيانه ليصلي فيه: ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أن يكون الراوي قاله من عنده؛ لعلمه أنه (لا يجلس) فيه إلا صلى فيه قبل أن يجلس.

على أن قوله: (فيصلي فيه): حرف انفرد به واحد من الرواة، وعسى أن يكون وهمًا؛ لأن الجماعة أولى بالحفظ من الواحد.

فأما صلاته في بيته التطوع: فأفضل من الصلاة في مسجده، ومسجده فوق مسجد قباء في الفضل؛ فتكون صلاته في مسجد قباء لأجل التحية " انتهى. "التوضيح" (9 / 242).

قال ابن حجر رحمه الله تعالى:

"وتعقب بأن مجيئه صلى الله عليه وسلم إلى قباء، إنما كان لمواصلة الأنصار وتفقد حالهم، وحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه، وهذا هو السر في تخصيص ذلك بالسبت " انتهى. "فتح الباري" (3/70).

لكن هذا التوجيه للحديث رأي مجرد، وظاهر الخبر بخلافه، فالراوي، وهو ابن عمر رضي الله عنه، وهو المعاصر لهذا المجيء: صرح بأنه صلى الله عليه وسلم كان يأتي المسجد لا غير، ويصلي فيه. وهذا هو الذي فهمه جملةٌ من أئمة الحديث، فبّوبوا على الحديث بما يدل على فضل مسجد قباء.

فالإمام البخاري أورده في ثلاثة أبواب كلها بلفظ المسجد: " بابُ مَسْجِدِ قُباءَ " وأورد فيه حديث ابن عمر رقم (1191 - 1192)، ثم: " بابُ مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُباءٍَ كُلَّ سَبْتٍ " وأورد حديث ابن عمر رقم (1193)، ثم: " بابُ إِتْيانِ مَسْجِدِ قُباءٍَ ماشِيًا وَراكِبًا " وأورد حديث ابن عمر رقم (1194).

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:

"واختلف في معنى هذا الحديث، فقيل: كان يأتي قباء زائرًا للأنصار، وهم بنو عمرو.

وقيل: كان يأتي قباء يتفرّج في حيطانها، ويستريح عندهم.

وقيل: كان يأتي قباء للصّلاة في مسجدها، تبرّكا، لِما نزل فيه: أنّه أسّس على التّقوى.

قال أبو عمر: ليس على شيء من هذه الأقاويل دليل لا مدفع له، وممكن أن تكون كلّها، أو بعضها، واللّه أعلم.

والأولى في ذلك: حمل الحديث، مجمله على مفسّره، فيكون قول من قال: مسجد قباء، مفسّرا لما أجمل غيره. وقد جاءت آثار تصحّح ذلك، والحمد لله " انتهى."التمهيد" (8 / 359).

وقال رحمه الله تعالى:

" وأشبه ما قيل في ذلك بأصول سنّته صلى الله عليه وسلم: أنّه كان يأتي مسجد قباء للصّلاة فيه، واللّه أعلم " انتهى."التمهيد" (8 / 360).

ولو كان القصد من إتيان قباء: تعاهد أهله، ومن غاب منهم عن الجمعة؛ فالمدينة كانت حولها منازل، سوى منزل بني عمرو بن عوف أهل مسجد قباء، فلم يرد أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعاهدهم كل أسبوع، وكان طريقه إلى بني عمرو بن عوف، يمر على بني سالم بن عوف، ولم يَرد أنه كان ينزل عندهم، كما ينزل في مسجد قباء، فهذا يقوي أن إتيانه قباء كان للمسجد، والصلاة فيه.

ثم لو كان المقصود أهل المسجد أصالة، لكان أتاهم في وقت اجتماعهم في الصلوات الفرائض؛ وهذا لم يرد، بل المفهوم من الروايات أنه كان يأتي المسجد ضحى، والناس عادة في مثل هذا الوقت في أشغالهم وبساتينهم، أو في بيوتهم.

ويقوي هذا المعنى بأنه كان يـأتي المسجد للصلاة فيه، ما رواه أبو داود (927): عن هِشَام بْن سَعْدٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَارُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي … ".

ورواه النسائي (1187)، وابن ماجه (1017): وغيرهما: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: " أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَسْجِدَ ‌قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ، فَجَاءَتْ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ …".

وقد نص على مشروعية ذلك غير واحد من أهل العلم، وبعضهم عده من جملة "المناسك".

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:

"وروى ابن نافع، عن مالك: أنّه سُئل عن إتيان قباء: راكبا أحبّ إليك، أو ماشيا؟ وفي أيّ يوم يؤتى؟

قال مالك: لا أبالي في أيّ يوم جئته، ولا أبالي مشيت إليه أو ركبت، وليس إتيانه بواجب، ولا أرى به بأسا.

قال أبو عمر: وقد جاء عن طائفة من العلماء: أنّهم كانوا يستحبّون إتيانه وقصده في كلّ سبت، للصّلاة فيه، على ما جاء في ذلك" انتهى."التمهيد" (8 / 363).

وقال الإمام الشافعي في توجيهه لخبر ابن عباس الذي رواه الإمام مالك في "الموطأ" (2 / 472): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ: ( عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا كَانَتْ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْيًا إِلَى مَسْجِدِ ‌قُبَاء، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ؟

فَأَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنَتَهَا: أَنْ تَمْشِيَ عَنْهَا ).

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

" أحسب ابن عباس إنما ذهب إلى أن ‌المشي ‌إلى ‌قباء نسك؛ فأمرها أن تنسك عنها " انتهى. "الأم" (8 / 683).

والحاصل:

أن السنة دلت على مشروعية إتيان مسجد قباء، بقصد الصلاة فيه، مرة كل يوم سبت، أو مرة كل أسبوع، على القول بأن السبت يطلق ويراد به الأسبوع، أو ما تيسر للناسك أن يفعله من ذلك.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:

" الأفضل: كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ كان يزور قباء كل سبت، يعني: كل أسبوع، والأفضل لمن كان في المدينة أن يزور قباء في الأسبوع مرة، يعني: في يوم السبت أو غيره، كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ويصلي فيه ركعتين أو أكثر، ثم ينصرف اقتداء بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام " انتهى. "فتاوى نور على الدرب" (11 / 292).

فإن أتاه المقيم بالمدينة أكثر من ذلك فلا بأس، لكن الأفضل في حقه: الإكثار من ملازمة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، لما ثبت من مضاعفة أجر الصلاة فيه.

قال ابن حجر رحمه الله تعالى:

" وفي الحديث [حديث ابن عمر السابق عند البخاري ومسلم]: دلالة على فضل قباء، وفضل المسجد الذي بها، وفضل الصلاة فيه، لكن لم يثبت ‌في ‌ذلك ‌تضعيف، ‌بخلاف ‌المساجد ‌الثلاثة " انتهى. "فتح الباري" (3 / 69).

والله أعلم

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android