السبب الظاهر في عدم ذكر الإمام مالك رحمه الله تعالى لفضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو أن "الموطأ" صنفه الإمام مالك لذكر أبواب الفقه والأحكام، ولم يصنفه ككتاب جامع لجميع أبواب الدين، فلم يدخل فيه أبواب فضائل الصحابة رضوان الله عليهم، فالموطأ مصنف حديثي فقهي، وهذا ظاهر لكل من طالعه.
قال ابن العربي رحمه الله تعالى:
" هذا أول كتاب ألّف في شرائع الإِسلام، وهو آخره؛ لأنه لم يُؤَلَّف مثله؛ إذ بناه مالك، رضي الله عنه، على تمهيد الأصول للفروع ونبّه فيه على معظم أصول الفقه، التي ترجع إليها مسائله وفروعه، وسترى ذلك، إن شاء الله تعالى، عيانا، وتحيط به يقينا عند التنبيه عليه في موضعه أثناء الإملاء بحول الله تعالى " انتهى. "القبس في شرح موطأ مالك بن أنس" (ص75).
والإمام مالك رحمه الله تعالى على مذهب سلف الأمة في وجوب احترام جميع الصحابة رضوان الله عليهم من غير استثناء.
قال الخلال في "السنة" (3/ 493): وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ مَالِكٌ: " الَّذِي يَشْتِمُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ، أَوْ قَالَ: نَصِيبٌ فِي الْإِسْلَامِ " انتهى.
ومن ضمنهم بلا شك علي رضي الله عنه، فقد كان الإمام مالك معظما له يراه من فقهاء الصحابة وأئمة الهدى الذين يعتنى بأقوالهم، ولذا أدخل جملة من مروياته واجتهاداته في "الموطأ"، وأحيانا ينص بعدها على استحسان قوله واجتهاده.
كما في "موطأ مالك - رواية يحيى" (1 / 139):
" عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ: ( الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ )، قَالَ مَالِكٌ: وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ " انتهى.
وكما ورد في (1 / 385):
" عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ: ( مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، شَاةٌ.
عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: ( مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ " انتهى.
وكما في (2 / 552):
" عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، ( إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ ).
قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ " انتهى.
وكما في (2 / 584 ):
"عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فِي الْحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا، فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا: ( إِنَّ إِلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا وَالْاجْتِمَاعَ ).
قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَجُوزُ قَوْلُهُمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ فِي الْفُرْقَةِ وَالْاجْتِمَاعِ " انتهى.
الخلاصة:
لم يذكر الإمام مالك رحمه الله تعالى في "الموطأ" فضائل علي رضي الله عنه؛ لأنه لم يصنف "الموطأ" لذكر أبواب فضائل الصحابة رضوان الله عليهم؛ وإنما خصّه بأبواب الفقه وأحكام الشريعة.
والإمام مالك يعتقد وجوب احترام جميع الصحابة ومنهم علي رضي الله عنه ويعده من فقهاء الصحابة وأفاضلهم، وهذا أمر مشهور عنه وعن أهل مذهبه، ومن ذلك أنه اعتنى بذكر طائفة من مرويات وأقوال علي رضي الله عنه في "الموطأ".
والله أعلم.