الإسلام سؤال وجواب
الأربعاء، ٢٤ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
٢٤ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الأربعاء، ٢٤ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
٢٤ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ

هل من السنة تقديم من كان على اليمين أو الأكبر عند الدخول والخروج؟

السؤال 525234

هل من السنة عندما يتصادف شخصان عند الباب أن سمح للذي على اليمين يمر أولاً؟ ما الدليل؟

ملخص الجواب

لم تثبت سنة خاصة تقضي بأن من كان على اليمين يقدم في الدخول أو الخروج من الباب، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الأيمن فالأيمن) ورد في مناولة الشراب لمن كان عن يمين الشارب، فلا يصح جعله قاعدة مطردة في كل تقديم بين الناس.

أما إذا اجتمع قوم عند باب أو مصعد، فالأقرب إلى هدي الشرع وآداب السلف تقديم الأكبر سنا أو قدرا، وقد جاءت آثار السلف بذلك.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

أما فيما يتعلق بفعل الإنسان في نفسه، كاللبس والأكل والطهور والدخول والخروج، فالسنة فيه التيامن في كل ما كان من باب التكريم، فيبدأ بيمينه في اللباس والطهارة ونحو ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وقد استقرَّت قواعدُ الشَّريعة على أنَّ الأفعال الَّتي تَشْتَرِكُ فيها اليمنى واليُسرى: تُقَدَّمُ فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة" انتهى من "مجموع الفتاوى" (21/108).

وقد سبق بيان هذا في الموقع مفصلا في جواب السؤال (159240)، (224145).

ثانيا:

وكذلك فيما يتعلق بالمناولة، فإن من أراد أن يناول غيره شيئا وكان ثمَّة أناس عن يمينه وعن يساره، فالسنة أن يبدأ بمن على يمينه.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر رضي الله عنه، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: (الأيمن فالأيمن). رواه البخاري (2363)، ومسلم (2029).

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من قدح، وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: (أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟) فقال: لا والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فدفعه إليه. رواه البخاري (2362)، ومسلم (2030).

وبوب عليه ابن حبان في صحيحه (2/317): "ذكر الأمر لمن أُتي بالماء ليشربه أن يناول من عن يمينه وإن كان عن يساره الأفضل والأجل".

وقال أبو عبد الله الحليمي:

"وإذا كان عند الرجل أصحاب عن يمينه وشماله، وشرب من لبن أو عسل، أو ما كان من الأشربة المباحة، وأراد أن يُشرك الحاضرين فيه= فليُعطه للأيمن فالأيمن، حتى إذا لم يبق منهم أحد، أعطى الأياسر". انتهى من "المنهاج في شعب الإيمان" (3/70)

وقال ابن عبد البر رحمه الله:

"وفيه من أدب المؤاكلة والمجالسة أن الرجل إذا أكل أو شرب، ناول فضله الذي على يمينه، كائنا من كان، وإن كان مفضولا وكان الذي على يساره فاضلا". انتهى من "التمهيد" (4/ 143).

ثالثا:

وإذا لم يكونوا مرتبين عن يمينه ويساره فإنه يقدم في المناولة الأكبر سنًّا وقدرًا.

ومما يدلُّ على ذلك :

ما جاء في حديث القسامة، وفيه: " فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُحَيِّصَةَ: (كَبِّرْ كَبِّرْ)، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ .." أخرجه البخاري (3173)، ومسلم (1669) واللفظ له.

قال البخاري مبوِّبًا على هذا الحديث : "باب إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال ".

قال ابن بطَّال: " فأمر أن يبدأ الأكبر بالكلام ، فكان ذلك سنَّة " شرح صحيح البخاري (9/317).

وقال ابن حجر: " المراد الأكبر في السن إذا وقع التساوي في الفضل، وإلا فيقدم الفاضل في الفقه والعلم إذا عارضه السن" انتهى من "فتح الباري" (10/ 536)

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِي رَجُلاَنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا ) أخرجه البخاري (246) ومسلم (3003).

وقال ابن حزم:

«ومن شرب: فليناول الأيمن منه فالأيمن، ولا بد؛ كائنا من كان...

وإن كان بحضرته جماعة: فإن كانوا كلهم أمامه أو خلف ظهره أو عن يساره: فليناول الأكبر فالأكبر ولا بد". انتهى من "المحلى" بالآثار (6/232)

رابعا:

أمَّا فيما يتعلق بالدخول والخروج، أو الركوب في حافلة أو مصعد أو غير ذلك، فليس في السنة نص خاصٌّ يدل على تقديم الأيمن مطلقا.

بل الذي تدل عليه عمومات النصوص الشرعية وعمل السلف الأولين: مراعاة السِّن والفضل.

قال ابن بطال: "فيه تقديم ذي السن في السواك، وكذلك ينبغي تقديم ذي السن في الطعام والشراب والكلام والمشي والكتاب، وكل منزلة؛ قياسًا على السواك، واستدلالًا من قوله صلى الله عليه وسلم لحويصة ومحيصة: (كَبِّرْ كَبِّرْ)؛ يريد ليتكلم الأكبر، وهذا من باب أدب الإسلام "، انتهى من "شرح صحيح البخاري" (1/ 364) .

قال ابن حزم:

"(كبر الكبر) فهذا عموم لا يجوز أن يخرج منه إلا ما استثناه نص صحيح، كالذي ذكرنا في مناولة الشراب". انتهى من "المحلى بالآثار" (6/ 233)

وعقد الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1/170) بابا سماه: "تقديم الأكابر في الدخول".

وروى عن مالك بن مغول قال: "كنت أمشي مع طلحة بن مصرف، فصرنا إلى مضيق، فتقدمني، ثم قال لي: لو كنت أعلم أنك أكبر مني بيوم ما تقدمتك".

وعن الفضل بن موسى قال: "انتهيت أنا وعبد الله بن المبارك إلى قنطرة، فقلت له: تقدم، وقال لي: تقدم، فحاسبته، فإذا أنا أكبر منه بسنتين".

وروى عن حماد بن أبي حنيفة أن أباه والحسن بن عمارة انتهيا إلى قنطرة، فأراد كل واحد منهما تقديم الآخر، فقال الحسن لأبي حنيفة: "تقدم أنت فإنك أفقهنا وأعلمنا وأفضلنا".

ثم قال الخطيب:

"وإن قدَّم الأكبر على نفسه من كان أعلم منه: جاز ذلك، وكان حسنا". انتهى.

ثم أورد عن الحسين بن منصور قال: "كنت مع يحيى بن يحيى وإسحاق ابن راهويه يوما نعود مريضا، فلما حاذينا الباب تأخر إسحاق، وقال ليحيى: تقدم، فقال يحيى لإسحاق: تقدم أنت، قال: يا أبا زكريا، أنت أكبر مني؟ قال: نعم أنا أكبر منك، وأنت أعلم مني، فتقدم إسحاق.

فهذه الآثار تفيد أنهم اعتبروا السن والفضل، وكان هذا من آدابهم المعروفة.

قال الإمام أحمد رحمه الله:

"ما كان أعقلَ بشرَ بنَ المفضل، كان بشرٌ أسنَ من معاذ بن معاذ، وكان بشر لا يخرج من المسجد حتى يخرج معاذ ، إكراما منه لمعاذ" . انتهى من "الآداب الشرعية" (3/ 249).

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: قلت لأبي: ما لك لم تسمع من إبراهيم بن سعد وقد نزل بغداد في جوارك، فقال: اعلم يا بني أنه جلس مجلسا واحدا، وأملى علينا، فلما كان بعد ذلك خرج وقد اجتمع الناس، فرأى الشباب تقدموا بين يدي المشائخ، فقال: ما أسوأ آدابَكم؛ تتقدمون بين يدي المشائخ؟! لا أحدثكم سنة. فمات ولم يحدث. انتهى من "أدب الإملاء والاستملاء" (ص120)

فدل ذلك على أن تقديم الكبير في مثل هذه المواطن كان من الأدب المعروف عند السلف.

قال الشيخ عبد العزيز السدحان في كتابه "مسائل أبي عمر السدحان للإمام ابن باز رحمه الله تعالى" (ص30): وسألت شيخنا: عن عمل الناس من تقديم أصحاب جهة اليمين في الدخول قبل غيرهم؟ فأجاب أثابه الله بأنه لا يعلم في ذلك شيئا، ثم قال: لو قُدِّم أصحاب السن - الكبار- لحديث: (كبِّر كبِّر)".

وذكر النووي في مقدمة المجموع شرح المهذب (1/ 36) من آداب المتعلم مع شيخه: "وألا يدخل عليه بغير إذن، وإذا دخل جماعة قدموا أفضلهم، وأسنهم". 

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تعليقه على مقدمة المجموع (ص188): "هذه مسألة أيضاً مهمة، إذا دخل جماعة إلى بيت المعلم أو غير المعلم، فإنهم يقدمون الأكبر، ورأيت بعض الناس الآن يقدم: يقدم الأيمن، وهذا غير صحيح؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أنه إذا وقف معه أناس على الباب، قدموا الأيمن.

ثم إن الأيمن للداخل هو بالنسبة لصاحب البيت أيسر، فيتعارض هذا وهذا، فهل نقدم الأيمن بالنسبة لصاحب البيت الذي أذن لنا بالدخول، وهو الأيسر بالنسبة للداخلين، أم نقدم الأيمن وهو يكون الأيسر بالنسبة لصاحب البيت، أو نقول: تعارض أيمنان فنقدم الأكبر والأسن والاشرف، وهذا كما أرى مقتضى الشريعة، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (كبر كبر)، فهو أيضا مقتضى الأدب بين الناس".

ثم ذكر الشيخ حديث الأيمن، وتقديم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الشراب لمن عن يمينه وقال:

"لا معارضة أصلا، لأنه إذا وجد واحد عن اليمين وواحد عن اليسار: قدم الأيمن. لكن إذا كانوا أمامك، قدم الأكبر. ومنه دخول البيت وكذلك بالنسبة للمصافحة إذا قابلهم يبدأ بالأكبر".

خامسا:

تقديم الإنسان غيره في الدخول والخروج نوع من التكريم، ولذلك يراعي فيه الإنسان الأدب في تقديم من هو أكبر منه سنًّا أو قدرًا أو مكانةً أو له حال تقتضي التقديم وغير ذلك من الاعتبارات الاجتماعية... والإيثار في هذا الباب محمودٌ وممدوحٌ.

فإذا كان أحد الواقفين مريضا، أو ضعيفا، أو يحمل شيئا، أو صاحب حاجة، أو كان ضيفا له اعتبار خاص، فقد يكون تقديمه هو المناسب.

وإذا تساوى القوم في السِّن والفضل والحال، فلا حرج في أن يجعلوا اليمين مرجحا بينهم.

قال ابن رشد:

"فإذا استوت أحوال المجتمعين، أو تقاربت: كانت البداية باليمين مما يستحب في مكارم الأخلاق، لما في ذلك من ترك إظهار ترفيع بعضهم على بعض بالتبدئة به.

وأما إذا كان فيهم العالم وذو الفضل والسن: فالسنة في ذلك أن يبدأ به حيثما كان من المجلس، ثم يناول هو من كان على يمينه". انتهى من "البيان والتحصيل" (18/ 554)

فالتقديم باليمين هنا من باب حسن الأدب عند التساوي، لا من باب سنَّةٍ خاصةٍ ثابتةٍ في الدخول.

وكذلك يجوز للكبير أن يؤثر الأصغر بالدخول قبله تواضعًا وإكرامًا.

قال أبو داود السجستاني:

"رأيت أحمد، جاءه ابنٌ لمصعب الزبيري، فأراد أحمد أن يخرج من المسجد، فقال لابن مصعب: تقدَّم، فأبى وحلف ابن مصعب، فتقدَّم أبو عبد الله بين يديه في المشي". انتهى من "مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني" (ص377)

قال ابن مفلح رحمه الله تعليقا على ذلك:

قال ابن مفلح: "ويؤخذ من هذا أن الكبير إذا راعى الصغير، وتأدب معه: يحسن ذلك منه، وأن الصغير إن شاء قبل ذلك؛ لأنه امتثال، وإن شاء رده، لأنه وقوف مع الأدب". انتهى من "الآداب الشرعية" لابن مفلح (3/ 247).

فباب الدخول والخروج من أبواب الآداب والتكريم، لا من العبادات التي يتقيد فيها الإنسان بصورة واحدة.

وفي العزلة للخطابي: "أخبرني الدقاق النحوي قال: اجتمع أبو العباس ابن سريج وأبو العباس المبرد وأبو بكر بن داود في طريق، فأفضى بهم إلى مضيق، فتقدم ابن سريج وتلاه أبو العباس محمد المبرد وتأخر ابن داود، فلما خرجوا إلى الفضاء التفت ابن سريج فقال: العلم قدمني، فقال ابن داود: الأدب أخرني، فقال لهما المبرد أبو العباس محمد: أخطأتما جميعا؛ إذا صحت المودة سقط التكلفُ والتعمُّل". انتهى من "العزلة" (ص42)

والحاصل:

لم تثبت سنة خاصة تقضي بأن من كان على اليمين يقدم في الدخول أو الخروج من الباب، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الأيمن فالأيمن) ورد في مناولة الشراب لمن كان عن يمين الشارب، فلا يصح جعله قاعدة مطردة في كل تقديم بين الناس.

أما إذا اجتمع قوم عند باب أو مصعد، فالأقرب إلى هدي الشرع وآداب السلف تقديم الأكبر سنا أو قدرا، وقد جاءت آثار السلف بذلك.

والله أعلم.

المراجع

الآداب

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

App StoreGoogle Play