كان صلى الله عليه وسلم أميًا ولا يعني ذلك أنه لا يعرف الحساب والأعداد.
أمية النبي صلى الله عليه وسلم ما مفهومها والمقصود بها؟
السؤال 528317
النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً، إلى أي مدى كان ذلك؟ هل كان الأمر وكأنه لا يستطيع القيام بعمليات حسابية بسيطة؛ مثل واحد زائد واحد، أو قراءة أي شيء على الإطلاق؟ رأيت روايات يذكر فيها أرقاماً وحسابات مثل 100 – 1، ويهجِّي كلمات مثل كافر، حيث يقول: كا فا را في الرواية عن الدجال؟ هل يمكن توضيح ذلك؟ النبي عمل في التجارة فكيف كان يدير ذلك إذا لم يكن قادراً على القراءة والكتابة، أو القيام بالرياضيات؟ هل كل ما يتعلق بالدين والأحاديث التي كان يرويها موحى بها، وأعطيَ ذلك العلم من الله تعالى، حيث قيل: إن النبي لم يكن يتحدث من هوى نفسه؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم رسولا أميًا ، لا يقرأ ولا يكتب ؛ كما وصفه ربه عز وجل بقوله : ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) الأعراف/ 158.
وقال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) العنكبوت/ 48 .
قال الواحدي رحمه الله في "التفسير البسيط" (9/ 396):
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ. والأمي : الذي لا يكتب ولا يقرأ في قول جميع المفسرين" انتهى.
وإنما خالف من خالف في هذا إنما هو من متأخري الفقهاء كما بيّنه ابن كثير رحمه الله في "تفسيره " (6/285-286)، وابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (7/503-504) .
قال "الطاهر ابن عاشور" في "التحرير والتنوير" (9/133):
" والأمي: الذي لا يعرف الكتابة والقراءة...
والأمية وصف خص الله به من رسله محمدا صلى الله عليه وسلم، إتماما للإعجاز العلمي العقلي الذي أيده الله به ، فجعل الأمية وصفا ذاتيا له، ليتم بها وصفه الذاتي وهو الرسالة ، ليظهر أن كماله النفساني: كمالٌ لَدُنِّيٌّ، إلهي؛ لا واسطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه، مع أنها في غيره وصف نقصان، لأنه لما حصل له من المعرفة، وسداد العقل : ما لا يحتمل الخطأ في كل نواحي معرفة الكمالات الحق، وكان على يقين من علمه، وبينةٍ من أمره ما هو أعظم مما حصل للمتعلمين؛ صارت أميته آيةً على كون ما حصل له ، إنما هو من فيوضات إلهية".
انظر: إجابة رقم: (218079)، (300639).
ثانيًا:
قد وصف اللهُ تعالى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بـالأمي: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ، وفسره أهل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب، لا أنه عاجز عن الحساب بالكلية، أو إدارة شؤون التجارة.
وهذا الوصف كمال في حقه ومعجزة، حتى لا يُقال: تَعَلَّم ما جاء به من الكتب السابقة. وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ.
فالأمية هنا نفيٌ للقراءة والكتابة كصناعة، لا نفيٌ للذكاء الفطري، أو القدرة العقلية، حاشاه، أو إدراك الحسابيات العقلية.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ وَالشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا يَعْنِي تَمَامَ ثَلَاثِينَ. رواه البخاري (1814)، ومسلم (1080) فليس المراد بالحساب هنا مطلق حساب الأعداد؛ وإنما الحساب الفلكي.
قال ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (4/127):
"والمراد بالحساب هنا: حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير" انتهى.
وانظر: إجابة رقم: (4713).
ثالثًا:
حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، ثُمَّ تَهَجَّاهَا ك ف ر يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ رواه مسلم(2933)، معنى تهجاها: أنه نطق بحروف الكلمة وتهجّاها بالصوت. انظر: "المعجم الوسيط" (2/975).
وهذا لا يستلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ويكتب، بل مجرد نُطق للحروف (كاف، فاء، راء)، مثلما يفعل أي عربي أمي يعرف أسماء الحروف؛ فهذا القدر لا يستلزم معرفة القراءة والكتابة، ولا يدل على ذلك؛ فعامة الأميين في البلدان: يعرفون حروف ألف باء، ولعلهم أن يتهجوا شيئا من ذلك، ولا يخرجهم ذلك عن كونهم أميين، ومنهم من يكون تاجرا كبيرا، أو صاحب مال، أو صاحب عمل يديره، وهو أمي، وهذا مشاهد معلوم.
رابعاً:
كيف مارس التجارة وهو أمي؟
الأمية لا تمنع ممارسة التجارة؛ فالعرب قبل الإسلام في معظمهم لا يقرؤون ولا يكتبون، ومع ذلك كانت قريش أهل تجارة بأساليب عملية تعتمد على:
الحفظ والضبط الشفهي للتعاملات، الشهود والضمانات، معرفة الأعراف والأسعار، الاستعانة بمن يكتب عند الحاجة (من الكُتّاب القلائل في مكة).
والنصوص التاريخية تدل على أنه كان تاجراً في مال خديجة، معروفاً بالأمانة والصدق، لا بالكتابة الحسابية، فدور التاجر الأساسي: مهارة في البيع والشراء، معرفة السوق، وحسن إدارة هذا المال، وحفظه؛ وكل هذا لا يُشترط فيه أن يكتب.
جاء في "سيرة ابن هشام" (1/171):
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً تَاجِرَةً، ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ، تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ فِي مَالِهَا، وَتُضَارِبُهُمْ إيَّاهُ، بِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ لَهُمْ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْمًا تُجَّارًا، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما بلغها: من صَدْقِ حَدِيثِهِ، وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ، وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ، بَعَثَتْ إلَيْهِ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يخرجَ فِي مَالٍ لَهَا إلَى الشَّامِ تَاجِرًا، وَتُعْطِيهِ أفضَلَ مَا كَانَتْ تُعطي غيرَه مِنْ التُّجَّارِ، مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ: مَيْسَرة، فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْهَا وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ، وَخَرَجَ مَعَهُ غلامُها مَيْسَرَةُ، حَتَّى قدم الشام" انتهى.
وعندما جاء الإسلام، كان يأمر الكُتّاب أن يكتبوا (في الصلح، الكتب، الوحي)، وهذا يؤكد أن طريقته ليست أن يكتب هو، بل أن يُملي على من يكتب.
خامسًا: علاقة الأمية بالوحي والعلم:
عقيدة أهل السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغ عن الله ودينه من قِبَل نفسه، بل بما يوحى إليه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. النجم/3-4
انظر: "تفسير ابن كثير" (7/443)، "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" (ص/224).
وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبعَان عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ : عَلَيكُم بِهَذَا القُرآنِ ، فَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ ، وَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ )
رواه الترمذي (2664) وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2870).
وهذا ما فهمه السلف الصالح رضوان الله عليهم من ديننا الحنيف:
يقول حسان بن عطية "الكفاية" للخطيب (12):
" كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن " انتهى .
رواه الدامي في سننه (588) والخطيب في "الكفاية" (12) ، وعزاه الحافظ في "الفتح" (13/291) إلى البيهقي، قال : " بسند صحيح " . ينظر: إجابة رقم: (77243).
ويقسّم العلماء أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله إلى قسمين:
الأول: ما كان بتوقيفٍ من الوحي، وفيه يكون صلى الله عليه وسلم مبلِّغًا أمينًا عن الله، وهذا هو الغالب من سنته، وهو معصوم فيه ابتداءً.
والثاني: ما صدر عن اجتهاده صلى الله عليه وسلم فيما خوّله الله من التشريع، فيُقرّه الله عليه، وإن وقع فيه خطأ نزل الوحي بتصويبه، فتتحقق العصمة فيه انتهاءً.
قال الشاطبي رحمه الله:
" الحديث إما وحي من الله صرف، وإما اجتهاد من الرسول عليه الصلاة والسلام معتبر بوحي صحيح من كتاب أو سنة.
وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وإذا فُرِّعَ على القول بجواز الخطأ في حقه ، فلا يُقَرُّ عليه البتة ، فلا بد من الرجوع إلى الصواب، والتفريع على القول بنفي الخطأ أولى أن لا يحكم باجتهاده حكما يعارض كتاب الله تعالى ويخالفه " انتهى.
ينظر: إجابة رقم: (135586).
الحاصل:
الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب ، ولا يعني ذلك أنه لا يعرف الحساب والأعداد
فهو يملك أعلى درجات الفهم، والحساب الذهني، وضبط الأعداد والمعاملات.
وما يتكلم به من الدين وحي وتعليم من الله، وليس مبنيًا على دراسة بشرية ولا على هوى نفس. وإذا اجتهد وأخطأ فلا يقرّ عليه، بل يُنبّه.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟