هل يجوز اختصار متن الحديث، ورواية بعضه دون بعض؟

السؤال 534693

لدي استفسار عن حديث الرسول رقم(5211) في "صحيح البخاري"، وهو حديث طويل، ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أحد أسفاره، وكان يتحدث مع أمنا عائشة رضي الله عنها، وهي في هودجها أثناء الانتقال، والسير ليلاً من موضع لآخر في ذلك السفر، رأيت من يقتطع جزء من هذا الحديث الطويل هكذا "وَكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا كانَ باللَّيْلِ، سَارَ مع عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ معهَا"، دون ذكر بقية القصة وسياقها، هل هذا جائز؟
أرجو للضرورة ذكر حكم اقتصاص هذا الجزء من الحديث لوحده؟ لأنه للأسف وجدت أناسا من العامة يذكرونه هكذا مقصوصًا، دون ذكر الحديث كاملاً، ويزعمون أن خروج الرجل مع زوجته ليلاً للسير، والتحدث من السُّنن المهجورة!، أليس هذا من الافتراء والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ملخص الجواب

لا يجوز للشخص أن يختصر الحديث إذا لم يكن متقنا وفاهما لمعناه، ولا يجوز له أن يختصره على وجه يخل بالمعنى، وإذا بيّن له وجه الصواب وأصر على الاختصار الباطل، فهو معرض لعقوبة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

اختصار متن الحديث ورواية بعض متنه دون بعض، شديد التعلق بمسألة أخرى، وهي حكم رواية الحديث بالمعنى، دون الالتزام بألفاظه، هذه مسألة وقع فيها خلاف بين الأئمة، والجمهور على جوازه بشرط أن يكون الراوي بالمعنى له معرفة وعلم، حتى لا يقع في الفهم والنقل الخاطئ.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

" قال الترمذي - رحمه الله -:

" فأما مَن أقام الإسناد وحفظه وغير اللفظ: فإن هذا واسع عند أهل العلم، إذا لم يتغير به المعنى"...

مقصود الترمذي بهذا الفصل الذي ذكره ههنا: أن من أقام الأسانيد وحفظها، وغير المتون تغييرا لا يغير المعنى= أنه حافظ، ثقة، يعتبر بحديثه.

وبنى ذلك على أن رواية الحديث بالمعنى جائزة، وحكاه عن أهل العلم.

وكلامه يشعر بأنه إجماع، وليس كذلك، بل هو قول كثير من العلماء. ونص عليه أحمد، وقال: ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى.

وإنما يجوز ذلك: لمن هو عالم بلغات العرب، بصير بالمعاني، عالم بما يحيل المعنى، وما لا يحيله. نص على ذلك الشافعي" انتهى "شرح علل الترمذي" (1 / 425 – 427).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (509082).

ثانيا:

وأما مسألة اختصار الحديث بخصوصها، فقد قال أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله تعالى:

" هل يجوز اختصار الحديث الواحد، ورواية بعضه دون بعض؟

اختلف أهل العلم فيه:

فمنهم: من منع من ذلك مطلقا، بناء على القول بالمنع من النقل بالمعنى مطلقا.

ومنهم: من منع من ذلك، مع تجويزه النقل بالمعنى، إذا لم يكن قد رواه على التمام مرة أخرى، ولم يُعلم أن غيره قد رواه على التمام.

ومنهم من جوز ذلك، وأطلق ولم يفصل.

وقد روينا عن مجاهد أنه قال: "انقص من الحديث ما شئت، ولا تزد فيه".

والصحيح التفصيل، وأنه: يجوز ذلك من العالم العارف، إذا كان ما تركه متميزا عما نقله، غير متعلق به، بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه، فهذا ينبغي أن يجوز... " انتهى "مقدمة ابن الصلاح" (ص 324).

وعلى ذلك؛ فإذا كان الشخص الذي يختصر الحديث جاهلا باللغة والمعاني، فلا يصح له أن يختصر الخبر لأنه ربما يفسد معناه.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى:

"قرأت على أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، قَالَ: حدثنا ابْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّاسًا الدُّورِيَّ يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ: يُكْرَهُ الِاخْتِصَارُ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ ، لِأَنَّهُمْ يُخْطِئُونَ الْمَعْنَى " انتهى "الكفاية في علم الرواية" (ص191).

وأما إذا كان فاهما لمعنى الحديث، متقنا له، جاز له الاختصار على وجه لا يخل بالمعنى.

قال النووي رحمه الله تعالى:

" والصحيح الذي ذهب إليه الجماهير، والمحققون من أصحاب الحديث والفقه والأصول: التفصيل، وجواز ذلك من العارف، إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه، بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة بتركه" انتهى. "شرح النووي على مسلم" (1/49).

وهذا يتصور جوازه في الأحاديث التي تحتوي على جملة من الأخبار، أو الأحكام المتعددة، التي لا تعلق بينها، كما جاز أخذ الآية الواحدة من السورة دون باقي الآيات.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى:

"‌‌باب ما جاء في تقطيع المتن الواحد، وتفريقه في الأبواب:

قد تقدّم القول منّا في الباب الّذي قبل هذا بإجازة تفريق المتن الواحد في موضعين، إذا كان متضمّنا لحكمين.

وهكذا إذا كان المتن متضمّنا لعبادات وأحكام، لا تعلّق لبعضها ببعض، فإنّه بمثابة الأحاديث المنفصل بعضها من بعض، ويجوز تقطيعه، وكان غير واحد من الأئمّة يفعل ذلك" انتهى. "الكفاية" (ص193).

وأما إذا كانت العبارة المأخوذة من الحديث لا تُفهم فهمًا كاملا صحيحا إلا بمعرفة ما قبلها، أو ما بعدها، ففي هذه الحال لا يجوز اختصار الخبر إلا مع ما يكمل به المعنى؛ حتى لا يفسد معناه.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى:

"والّذي نختاره في ذلك: أنّه إن كان فيما حذف من الخبر معرفة حكم وشرط، وأمر لا يتمّ التّعبّد والمراد بالخبر إلّا بروايته على وجهه= فإنّه يجب نقله على تمامه، ويحرم حذفه، لأنّ القصد بالخبر لا يتمّ إلّا به، فلا فرق بين أن يكون ذلك تركا لنقل العبادة، كنقل بعض أفعال الصّلاة، أو تركا لنقل فرض آخر هو الشّرط في صحّة العبادة، كترك نقل وجوب الطّهارة ونحوها، وعلى هذا الوجه يحمل قول من قال: لا يحلّ اختصار الحديث" انتهى "الكفاية" (ص190).

وهذا الحديث الذي ذكرته مما تتناوله هذه المسألة.

فروى البخاري (5211)، ومسلم (2445): عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ: " أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ لِعَائشَةَ وَحَفْصَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، تَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، فَرَكِبَتْ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا، وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْهَا بَيْنَ الإِذْخِرِ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا".

فالحديث كاملا يفهم من سياقه أن مسايرة النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها ليلًا، كان في طريق السفر، لذا بوّب عليه الإمام البخاري، بقوله: "بابُ الْقُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا".

فإذا قال القائل، أو نقل الناقل: (وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ)، فإنه يفهم من هذا الاختصار الإطلاق في الأحوال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج في المدينة من بيته ليلًا، يتمشى مع عائشة رضي الله عنها في أزقة المدينة، وهذا فهم باطل لم يرد به أي خبر، ولم ينقله أثر؛ وإنما مسايرته كانت في السفر لأجل الأنس كما هو سياق الخبر.

فمن اكتفى بهذه الجملة متعمدا وعالما بأن تصرفه هذا فيه تغيير للمعنى، واستخرج منها سنية خروج الزوج مع زوجته ليلا للتجول، فهو مبطل، كاذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ناسب له ما لم يفعله.

الخلاصة:

لا يجوز للشخص أن يختصر الحديث إذا لم يكن متقنا وفاهما لمعناه، ولا يجوز له أن يختصره على وجه يخل بالمعنى، وإذا بيّن له وجه الصواب وأصر على الاختصار الباطل، فهو معرض لعقوبة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.

والله أعلم.

المراجع

الحديث وعلومه

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android