عدد آيات سورة الفاتحة سبعًا. واختلف السلف، والفقهاء، والقراء: هل البسملة أول آية فيها أو ليست آية منها.
هل البسملة آية من الفاتحة؟
السؤال 539585
إذا كانت الفاتحة هي السبع المثاني فهل عدد آياتها سبع؟ وهل تُعتبر البسملة أول آية فيها؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
روى البخاري (4474) عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى رضي الله عنه قَالَ: " كُنْتُ أُصَلِّي فِي المَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ)، ثُمَّ قَالَ لِي: لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي القُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ، قَالَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ)، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ".
قال ابنُ جرير رحمه الله في تفسيره (1/106-107) : "أمَّا تأويل اسمها أنَّها السَّبع؛ فإنَّها سَبعُ آيات، لا خِلاف بين الجميع من القرَّاء والعلماء في ذلك...
وأمَّا وصْف النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم آياتِها السَّبعَ بأنهنَّ مثانٍ؛ فلأنَّها تُثنَّى قراءتها في كلِّ صلاة تطوُّع ومكتوبة، وكذلك كان الحسنُ البصري يتأوَّل ذلك". ويُنظر: "تفسير ابن عطية" (1/60)، "تفسير ابن كثير" (1/101)، "تفسير ابن عاشور" (1/135).
قال ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (22/351): "والفاتحة سبع آيات بالاتفاق" انتهى.
ثانيًا:
هل البسملة آية من سورة الفاتحة؟
اختلف القرّاء والفقهاء هل البسملة آية من الفاتحة؟ أو أنها آية مستقلة، وليست من آيات الفاتحة السبع؟
مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة: أن البسملة ليست آية من الفاتحة.
وهو قول أهل المدينة من القرّاء والفقهاء. واختار هذا القول من المفسرين ابن جرير وابن العربي وابن عطية والقرطبي.
قال ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (22/351):
"وقد كان كثير من السلف يقول البسملة آية منها، ويقرؤها. وكثير من السلف لا يجعلها منها، ويجعل الآية السابعة (أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ)، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة الصحيح.
وكلا القولين حق فهي منها من وجه، وليست منها من وجه، والفاتحة سبع آيات" انتهى.
قال ابن تيمية رحمه الله في "الفتاوى الكبرى" (2/122):
"والأحاديث الصحيحة تدل على أنها آية من كتاب الله، وليست من الفاتحة" انتهى.
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (1/101):
"وإنما اختلفوا في البسملة: هل هي آية مستقلة من أولها، كما هو عند جمهور قراء الكوفة، وقول الجماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف؟ أو بعض آية، أو لا تعد من أولها بالكلية، كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء؟" انتهى.
ينظر: "تبيين الحقائق" (1/112)، "مواهب الجليل" (2/251)، "كشاف القناع" (1/335)، "تفسير ابن جرير" (1/149)، أحكام القرآن لابن العربي (4/457)، "تفسير ابن عطية" (1/60)، "تفسير القرطبي" (1/49). وانظر: إجابة رقم (129170)، (299653).
ومن أدلة الجمهور: ما رواه مسلم في صحيحه (395) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ.
فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟
فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ".
في "كشاف القناع" (1/335): "ولو كانت البسملة آية: لعدها وبدأ بها" انتهى.
وذهب الشافعية، ورواية عن أحمد: إلى أن البسملة من الفاتحة.
في المجموع (3/ 333 ، 336): "فمذهبنا أن بسم الله الرحمن الرحيم آية كاملة من أول الفاتحة، بلا خلاف... عن أم سلمة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية " وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) قال " هي فاتحة الكتاب. قال فأين السابعة قال (بسم الله الرحمن الرحيم) " رواهما ابن خزيمة في صحيحه ورواهما البيهقي وغيره" انتهى. وانظر: "الإنصاف" (2/48).
وفي "السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 66):
"سُئِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ السَّبْعِ الْمَثَانِي، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا هِيَ سِتُّ آيَاتٍ، فَقَالَ: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: 1] آيَةٌ " [ص:67].
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوُفًا، وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ" انتهى.
وأسانيد أثر علي وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم متكلم فيها، كما في تحقيق تفسير ابن كثير (قرطبة وأولاد الشيخ) (1/155).
فمن جعل البسملة آية من الفاتحة: كانت هي الآية الأولى، والسابعة (صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ
عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ).
ومن لم يجعلها آية من الفاتحة: فتكون الآية السادسة (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، والآية السابعة: (غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ). انظر: الشرح الممتع (3/ 58)
وكما اختلف السلف والفقهاء في عد البسملة أية من عدمه، اختلف القراء في ذلك أيضا.
قال الشنقيطي رحمه الله عند كلامه للبسملة في الفاتحة:
"ومن أحسن ما قيل في ذلك، الجمع بين الأقوال، بأن البسملة في بعض القراءات كقراءة ابن كثير آية من القرآن، وفي بعض القرآن ليست آية" انتهى من مذكرة في أصول الفقه (ص: 66).
وانظر: إجابة رقم: (129170).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟