قسط له الدين لإعساره، فانخفضت العملة، فما الذي يلزم المدين ؟

السؤال 564162

كنت أقرضت شخصاً مبلغاً من أكثر من ٨ سنوات، وتعثر في السداد، وتغيرت قيمة العملة تغيراً كبيراً، الآن بعد الاتفاق على توزيع الضرر بين الطرفين يريد السداد بالتقسيط على مدة غير معلومة، فما هو الحكم الشرعي في هذا الأمر؟ وما الحل لو حدث تغير في قيمة العملة خلال هذه الفترة؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

يجب إنظار المعسر؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) البقرة/280.

قال البهوتي رحمه الله في "كشاف القناع" (3/ 418): "(فإن كان) المدين (عاجزا عن وفاء شيء منه) أي الدين (حرمت مطالبته والحجر عليه وملازمته) لقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة [البقرة: 280]" انتهى.

وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: "ومن فوائد الآية: وجوب إنظار المعسر، أي: إمهاله حتى يوسر، لقول الله تعالى: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) فلا تجوز مطالبته بالدين، ولا طلب الدين منه" انتهى من "تفسير سورة البقرة" (3/ 391).

وضابط الإعسار كما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: " ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار: ألا يكون للمدين مال زائد عن حوائجه الأصلية يفي بدينه، نقداً أو عيناً" انتهى من "مجلة مجمع الفقه الإسلامي" (ع 6 ج 1 ص 193).

والحوائج الأصلية تشمل: السكن الذي يناسب مثله، والملبس، والدابة، وأدوات العمل، والمصنع أو الشركة التي يتكسب منها.

ويدخل في الحوائج الأصلية ما لو كان له بيت أو سيارة يؤجرهما ويحتاج إلى أجرتهما في نفقته ونفقة عياله.

قال في دليل الطالب في التمثيل للحوائج الأصلية: "مسكن، وخادم، ودابة، وثياب بِذلة [أي لغير التجمل]، وكتب علم" انتهى.

قال ابن عوض رحمه الله في حاشيته عليه: " قوله: " وكتب علم" يحتاجها لنظر وحفظ، وحلي امرأة للُبس، أو كراء يحتاج إليه، ودار يحتاج إلى أجرها لنفقة، وسائمة يحتاج لدرها ونسلها، وبضاعة يحتاج إلى ربحها" انتهى من "حاشية ابن عوض على دليل الطالب" (1/ 531).

فلو كان لصاحبك مال عيني أو نقدي زائد عن حوائجه الأصلية فليس بمعسر.

وإذا لم يكن لديه ذلك، فهو معسر يجب إنظاره وتحرم مطالبته.

ثانيا:

جاء في فضل إنظار المعسر: ما روى أحمد (23046) عن بُرَيْدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ)، قَالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ)، قُلْتُ: سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَقُولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ)، ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ)، قَالَ لَهُ: (بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ) وصححه محققو المسند.

ثالثا:

إذا تم تقسيط الدين، فحصل انخفاض في قيمة العملة بمقدار الثلث فأكثر:

1-فإن كان المدين مماطلا، تحمل الضرر كله.

2-وإن كان المدين غير مماطل، فإنكما تقتسمان الضرر، فينظر كم كان يساوي المال من شيء ثابت كالدولار، وتقتسمان التعويض، فيدفع المدين نصف المبلغ بالدولار.

قال الدكتور القره داغي: " الرأي الذي يطمئن إليه القلب هو رعاية القيمة في نقودنا الورقية في جميع الحقوق الآجلة المتعلقة بالذمة من قرض، أو مهر، أو بيع، أو إجارة أو غيرها، ما دام قد حصل انهيار، وغبن فاحش يبين قيمة النقد الذي تم عليه الاتفاق وقدرته الشرائية في الوقتين -أي وقت العقد، ووقت الوفاء- وسواء كان المتضرر دائناً أو مديناً، والذي نريده هو تحقيق المبدأ الذي أصله القرآن الكريم، وعبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (قيمة عدل لا وكس وشطط)" من "مجلة المجمع" (9/ 1044) ترقيم الشاملة.

رابعاً:

الراجح في سداد القرض بالتقسيط على مدة غير معلومة الجواز، كما هو مذهب المالكية.

قال النفراوي رحمه الله ، في بيان "استثناء القرض" من شروط البيع ، مع أن البيع أصل له :
" الْقَرْضَ الَّذِي هُوَ السَّلَفُ : فَرْعٌ ، وَالْبَيْعَ أَصْلُهُ .. ؛ وَوَجْهُ اسْتِثْنَاءِ الْقَرْضِ مِنْ الْبَيْعِ : أَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، وَالْقَرْضُ كَذَلِكَ، لَكِنْ أَخْرَجُوا الْقَرْضَ مِنْ الْبَيْعِ ، حَيْثُ أَجَازُوا فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ إقْرَاضُ الْمَجْهُولِ ، كَمِلْءِ غِرَارَةٍ بِمِثْلِهَا ، مع عَدَمُ مَعْرِفَةِ مَا فِيهَا ، وَالدُّخُولُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجُزَافَ الْمَدْخُولَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ جَائِزٍ .
وَيَجُوزُ فِيهِ جَهْلُ الْأَجَلِ ؛ بِخِلَافِ الْبَيْعِ" انتهى من "الفواكه الدواني" (2/89) .

وفي حاشية العدوي : "وَيَجُوزُ إقْرَاضُ الْمَجْهُولِ ، كَمِلْءِ غِرَارَةٍ بِمِثْلِهَا مع عَدَمِ مَعْرِفَةِ ما فيها ، وَجَهْلِ الْأَجَلِ" انتهى، من "حاشية العدوي على كفاية الطالب" (2/163) "

وينظر: "تهذيب المدونة" (3/276) ، و"الذخيرة" (9/221) ، و"مواهب الجليل" (5/101) "

وعند أداء الدين: إذا قدر أن الدين عشرة آلاف مثلا، وانخفضت العملة بمقدار خمسة، فإنه لا يوفيه دينه خمسة عشر ألفا؛ لئلا يقع في صورة الربا؛ بل يوفيه بعملة أخرى، أو ذهب، أو عروض، بقيمة ما تصالحا عليه: سواء كان خمسة عشر، أو اقتسما الضرر، فتصالحا أن يأخذ حقه ما يعادل اثني عشر ألفا ونصف ألف.

وينظر: جواب السؤال رقم: (215693)، ورقم: (409055).

والله أعلم.

المراجع

القرض

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android