لم تُرَ الملائكة بصورتها الأصلية، بل رأى أفرادٌ من الفريقين من يقاتل في صورة بشر، أو شعر بآثار ضرباتهم. ولم تشعر أي من الطائفتين بزيادة أعداد الأخرى؛ لأن الله قلَّل كلًّا منهما في عين الأخرى قبل المعركة.
هل رأى المشركون والمسلمون الملائكة يوم بدر؟
السؤال 565134
هل رأى الكفار والمسلمون الملائكة رأي العين حينما كانوا يقاتلون في بدر، وهل شعر الكفار أن عدد المسلمين قد ازداد بعد إمداد الله المسلمين بالملائكة؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
لا يستطيع أحد من البشر رؤية الملائكة في الدنيا على صورتهم الأصلية وخلقتهم التي خلقهم الله عليها، إلا الأنبياء، وإنما يستطيع البشر - من غير الأنبياء - أن يروا الملائكة إذا تمثَّلوا في صورة غير صورتهم الأصلية، وذلك كما رأى الصحابة جبريل في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، وينظر للفائدة جواب السؤالين: (473586)، و(70364).
ومن الثابت المقطوع به: أن الملائكة قد شهدت غزوة بدر مع المؤمنين، لإعانتهم وتأييدهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى جبريل يومئذ وعليه أداة الحرب، وأخبر المؤمنين برؤيته له، كما روى البخاري (3995) عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: (هذا جبريل، آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب).
وراجع للفائدة جواب السؤال: (335588).
ثانيًا:
قال الله تعالى في شأن غزوة بدرٍ: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
قال الشيخ السعدي رحمه الله: "فأرى اللّه المؤمنين عدوَّهم قليلًا في أعينهم، وَيُقَلِّلُكُمْ - يا معشر المؤمنين - في أعينهم، فكلٌّ من الطائفتين ترى الأخرى قليلةً، لتُقدِم كلٌّ منهما على الأخرى"، انتهى من "تفسيره" (ص 322).
فبيَّنت الآية أن الله تعالى قلَّلَ أعداد المؤمنين في أعين المشركين، وكذا العكس، أراد تعالى أن تتهاون كل طائفة بالأخرى، فيرونهم أقل مما كانوا عليه، لتُقدِم كلٌّ منهما على الحرب.
فالمناسب لهذا المعنى المُحكَم: ألا يرى المشركون – قبل بدء المعركة – تأييدَ الملائكة، ولا إمداد المؤمنين بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزَلين يقاتلون، فضلًا عن خمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين، وألا يشعروا بذلك.
وأما بعد التقاء الفئتين وقيام المعركة؛ فقد وردت آثار عن آحاد من المؤمنين أو المشركين، فيها دلالة على حصول هذا الشعور للواحد بعد الواحد، أي: لا أن هذا هو شعور الأكثرين منهم، كما:
1- روى الواقدي في "المغازي" (1/76) – ومن طريقه البيهقي في "الدلائل" (3/57) وابن عساكر في "التاريخ (73/42) - بإسناده عن مولى لسهيل بن عمرو رضي الله عنه، قال سمعت سهيل بن عمرو يقول: "لقد رأيتُ يوم بدرٍ رجالًا بيضًا، على خيل بُلق، بين السماء والأرض، معلَّمين، يَقتلون ويَأسرون"، انتهى.
ولم يكن سهيل يوم بدرٍ قد أسلم، فقد كان يوم بدر مشركًا، وإنما أسلم بعد فتح مكة، رضي الله عنه، وينظر "الإصابة" لابن حجر (3/177).
إلا أن إسناد الأثر ضعيف – على الأقل -، لإبهام الراوي عن سهيل رضي الله عنه، ولجهالة في شيخ الواقدي، ثم لاستقرار الإجماع على ضعف الواقدي نفسه، كما ذكر الذهبي في "السير" (9/ 454)، بل رماه الإمام أحمد بالكذب، وكذَّبه ورماه بالوَضع جماعةٌ مِن الأئِمَّة، وهو مكثر من الأحاديث الغرائب، حتى قال ابن المديني: "روى الواقدي ثلاثين ألف حديث غريب"، وينظر كل ذلك وغيره في "تهذيب الكمال" (26/180).
2- وما روى إسحق بن راهويه في "مسنده": أخبرنا وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي، سمعت ابن إسحق، يقول: حدثني أبي، عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: "رأيتُ قبل هزيمة القوم، والناس يقتتلون: مثلَ البجاد الأسود أقبل من السماء، مثل النمل الأسود، فلم أشكَّ أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم".
كذا أورده الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (17/321)، ثم قال رحمه الله: "إسناده حسن، إن كان إسحق بن يسار سمعه من جبير".
وكان الحافظ أيضا قد قال في "الإصابة" (1/571): "وأسلم جبير بين الحديبيّة والفتح، وقيل في الفتح"، انتهى.
فجبير رضي الله عنه لم يكن يوم بدر مسلمًا أيضًا، وإنما حدَّث بذلك – إن ثبت عنه - بعد إسلامه، رضي الله عنه، وينظر "فتح الباري" (7/312).
3- وروى أحمد في مسنده (948) حديثًا طويلًا في قصة غزوة بدر، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيه قصة أسر رجل أنصاريٍّ لعمِّه العباس بن عبد المطلب، وفيه يقول العباس رضي الله عنه:
"إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجلٌ أجلح، من أحسن الناس وجها، على فرس أبلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اسكت، فقد أيَّدك الله تعالى بملَك كريم)"، وصحح إسناده محققو المسند.
وفيه: أنَّ العباس قد رأى - بعينه - الملك الكريم الذي أسره، لكن ظاهر الحديث - كما ترى – يدلُّ على أن العباس لم يدر إلا أن هذا الذي رآه هو واحد من الناس، لا ملك، وأنَّ الأنصاريَّ لم ير شيئا البتة، فكان جازما أنه هو الذي أسرَ العباس وحده، فلم ير ما رآه العباس، رضي الله عنهما، فالحديث يدل على أنهما لم يشعرا بالملائكة، وإنما بيَّن لهما النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الأمر بعد نهاية الحرب.
ولم يكن العباس رضي الله عنه قد أسلم يوم بدر بعدُ أيضًا، وينظر "الإصابة" (5/577).
4- وصحَّ أن بعض آحاد المؤمنين قد شعر ببعض (أثرِ) قتال الملائكة يوم بدرٍ، كأن يسمع صوتا ويجد أثر الإعانة، من غير رؤية عين، كما روى مسلم (1763) في حديث أسارى بدر الطويل، ففيه قول ابن عباس رضي الله عنهما:
"بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتدُّ في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم أنفُه، وشُقَّ وجهُه، كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) ..." الحديث.
وهذا مثل ما سبق، فقد احتاج الأنصاري رضي الله عنه إلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يفهم أمر الصوت الذي سمعه ولم ير المتكلم به.
والمقصود:
أن أحدًا من الفريقين لم يرَ الملائكة بصورتهم الحقيقية، بل عاين بعضُ الأفراد مقاتلين كالبشر، أو لاحظوا آثار ضرباتهم. كذلك لم تلحظ أي من الطائفتين زيادةً في أعداد الأخرى قبل بدء المعركة؛ لحكمة إلهية اقتضت تقليل كل فئة في عين الأخرى لتُقدِم على القتال.
ولم يدرِكْ من رأى أو سمع شيئًا غريبًا أثناء المعركة أنهم ملائكة من مدد السماء، إلا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء الحرب.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟