اختصاص الله تعالى باسم (الأحد) وبمعنى (الأحدية) معناه: اختصاصه تعالى بـ (الاسمية المفرَدة في مقام الثناء والإثبات)، ولا يعارض هذه الاختصاص استعمالُ (أحد) في النفي، أو الاستفهام، أو الشرط، فهو حينئذ (اسم جنسٍ) لا يراد به مسمًى معيَّن، ولا استعماله في العدد مثل (أحد عشر) فهو (رتبة حسابية)، ولا استعماله في الأيام (يوم الأحد) فهو لابتداء العدّ بمعنى (واحد). فلا شيء من ذلك ينقض اختصاصه تعالى، بأنه (أحدٌ) لا نظير له ولا مثيل.
هل يجوز استعمال لفظ (أحد) في حق غير الله؟
السؤال 565853
بعض الأسماء الله الحسنى غير مشتركة مثل الله الرحمن الأحد، اسم الأحد غير مشترك إلا أننا نستخدمه في حيانتا عندما قول اليوم هو الأحد،ـ أو مثلا رأيت أحد عشر كوكبا، هذا من باب الاسم،
أما من باب الصفة، فأيضا تستخدم كثيرا مثل: هل زارنا أحد ما، أو كما نقولها بالعامية في حدا أجا عندنا؟
هذا وقد ورد في موقعكم أن الأحد من أسماء الله عز و جل الغير مشتركة.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
لفظ (أحد) عربي فصيح مستعمل بكثرة في القرآن والسنة وفي كلام الناس.
ومجرد استعمال اللفظ لا يعارض الثابت الذي بيَّنه أهل العلم، وهو أن الله ربَّ العالمين تعالى قد اختصَّ وتفرَّد بمعنى الأحديَّة، كما تفرد تعالى بتسميته باسمِ (الأحد) بمعنى: المتفرد الذي لا نظير له ولا مثيل، فليس له تعالى شريك لا في إطلاق الاسم (علمًا) عليه تعالى، ولا في تحقق المعنى.
فلم يُستعمل لفظ (أحد) في تسمية ذات معينة، أو شخص معيَّن، سوى الله تعالى.
ولذلك: فاختصاص الله تعالى بأنه الأحد؛ هو اختصاص في إطلاق اللفظ (على معيَّن) وفي تحقق المعنى أيضا، فإن حقيقة الموجودات أن كل شيء سوى الله تعالى: له نظير، وله مثيل.
فليس شيء من الذوات أو الأشياء المعينة هو (أحدٌ) أو هو (الأحد) إلا رب العالمين سبحانه، فقط لا غير.
فإننا نقول: (الله أحدٌ) و: (الله هو الأحد)، ومعناه: أن رب العالمين تعالى هو المتفرد الذي ليس له نظير ولا مثيل، ولا ثاني له.
ولا يقال قطُّ: (فلانٌ أحدٌ)، ولا (فلانٌ هو الأحد)، على هذا المعنى.
بل: لا يطلق هذا اللفظ على ذات، أو شخص معيَّن محدَّد = هكذا، بالإطلاق: (الأحد)، غير مقيد بقيد، ولا مضاف إلى شيء = لا يطلق هكذا على غير الله تعالى.
فمجرد (استعمال اللفظ) مهجور في الذوات المعيّنة غير الله تعالى، وكذلك فهذا المعنى لا يتحقق في الوجود إلا لله تعالى.
فاستعمال (أحد) اسمًا علَمًا مفردًا، للثناء، مثبتًا غيرَ منفيٍّ: مما اختص بالله تعالى وحده، فلم يستعمل لغيره تعالى.
أما استعمال لفظ (أحد) في النفي، أو فيما هو في معنى النفي (كالاستفهام والشرط): فلا حرج فيه، ولا يعارض ما اختص بالله تعالى، وليست كلمة (أحد) حينئذٍ اسمًا علَمًا لذات معيَّنة، ولا وصفًا لشخصٍ معيَّنٍ بأنه متفردٌ ليس له نظير ولا مثيل.
1- كما تقول في النفي: (ليس في الدار أحدٌ)، فمعناه: ليس في الدار أي إنسانٍ، فلا إثبات فيه لصفة التفرد وعدم النظير ولا المثيل لذات من الذوات، أو لشخصٍ معيَّن من الأشخاص.
2- وكما تقول في الاستفهام: (هل جاءنا أحدٌ؟)، فمعناه: هل جاءنا إنسانٌ ما؟ فهذا كذلك ليس فيه إثبات وصف التفرد، ولا تسمية بـ (الأحد) لذاتٍ محددةٍ أو لشخصٍ معيَّنٍ.
3- وكما تقول في الشرط: (إن جاءني أحدٌ من عندك فسأكرمه)، فهذا كذلك ليس فيه إثباتٌ أو تسمية لذات معينة من الذوات ولا شخص معيَّن.
4- وكذلك في تسمية اليوم الأسبوعي يوم الأحد:
فهو تسمية لزمانٍ، وليس فيه تسمية لذات من الذوات ولا شخص معيَّن، وإنما فيه إضافة، فهو (يوم الأحد)، الذي يعقبه (يوم الاثنين).
ولا خلاف أنه لا يراد بذلك أنه اليوم الذي لا نظير له، ولا مثيل، وإنما سمي يوم الأحد بذلك لأنه: بداية العدِّ والحساب لأيام الأسبوع، فهو أول الأيام، الذي يعقبه نظير في العدِّ.
فهذا استعمالٌ لأصل المادة اللغوية، فأصل (أحد) هو (وَحَد)، وهو بمعنى واحد أيضًا، ثم قُلِبَت هذه واو (الوَحد) إلى ألفٍ، لأنَّ الواو ثقيلة في بداية الكلمة، مستكرَهة في النطق، فصارت (الأحد).
قال ابن سيده في "المخصص" (5/ 193): "الْوَاحِد - أوَّلُ الْعدَد وَكَذَلِكَ الوَحَدُ والأَحَدُ"، انتهى.
ومعلوم أن يوم الأحد يأتي بعده من جنسه ما هو نظيرٌ له، وثالث، ورابع ... إلخ، فليس هو إذن (الأحد) الذي لا نظير له ولا مثيل، وإنما يراد به: ابتداء العَدِّ فقط.
فالزمان هنا لا يوصف بخصائص الأحدية الإلهية، بل بخصائص الترتيب والحساب.
فأحد الأسبوع، يُثبِت التعدُّد، لكونه مَبدأ للعدد، المفتقر لغيره، لتحصيل مجموع الأيام، فهو (رتبة حسابية) مضاف إلى غيره.
أما اسم الله (الأحد) فدال على التفرد ومنع التعدد.
5- وكذلك في قولك: (أحد عشر كوكبا):
فهو استخدام لـ (العدد المطلق)، فلفظ (أحد) هنا هو أيضًا (رتبة حسابية) مشروطة بوجود غيرها، فقد أضيف إلى (عشر) ليتبين معناه، ولولا الإضافة لم يتبين.
بينما (الأحد) في حق الله تعالى اسم علم مفرد، غير مضاف، دال على تفرُّد ذاته تعالى بالكمال، ونفي وجود النظير أو المثيل.
ثانيًا:
اتفق أهل العلم أن التسمية بـ (الأحد)، مما اختص الله تعالى به، وهم الذين بيَّنوا أيضًا أوجه الاستعمال لكلمة (أحد) في اللغة، وأن كل مواضع استعمال اللفظ ليست على سبيل (التسمية لذاتٍ)، ولا على وجه إثبات معنى: (التفرد بالكمال المطلق مع نفي النظير والمثيل).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"قال الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ؛ فأدخل اللام في الصَّمَدُ ولم يدخلها في أَحَدٌ؛ لأنه ليس في الموجودات ما يسمى (أحدا) في الإثبات، مفردًا غير مضاف؛ إلا الله تعالى.
بخلاف النفي، وما في معناه - كالشرط والاستفهام - فإنه يقال: (هل عندك أحد؟) و: (إن جاءني أحدٌ من جهتك؛ أكرمتُه).
وإنما استُعمل في العدد المطلق؛ يقال: أحد، اثنان.. ويقال: أحد عشر. وفي أول الأيام؛ يقال: يوم الأحد، فإن فيه - على أصح القولين - ابتدأ الله خلق السماوات والأرض وما بينهما، كما دلَّ عليه القرآن والأحاديث الصحيحة ...".
حتى قال رحمه الله:
"لفظ (الأحد) لم يوصف به شيءٌ من الأعيان إلا الله وحده، وإنما يستعمل في غير الله في النَّفي، قال أهل اللغة: تقول: لا أحد في الدار، ولا تقول: فيها أحد.
ولهذا لم يجئ في القرآن إلا في غير الموجب؛ كقوله تعالى: فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وكقوله: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ، وقوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ.
وفي الإضافة؛ كقوله: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ، جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ.....
والله سبحانه هو الصمد.. ؛ بل حقيقة الصمدية وكمالها له وحده واجبة لازمة، لا يمكن عدم صمديته بوجه من الوجوه؛ كما لا يمكن تثنية أحديَّته بوجهٍ من الوجوه.
فهو (أحدٌ) لا يماثله شيء من الأشياء، بوجه من الوجوه، كما قال في آخر السورة: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، استعملَها هنا في النفي، أي: ليسَ شيءٌ من الأشياء كفوا له في شيءٍ من الأشياء، لأنه (أحدٌ)"، انتهى مختصرًا من "مجموع الفتاوي" (17/ 235).
فبيَّن ابن تيمية رحمه الله وجوب التفريق بين (الاسم العلَم المفرَد)، في مقام الإثبات والثناء على الله تعالى، وبين (اللفظ العام) المستعمل في سياق النفي أو العدد أو الصفة المقيدة، وأن استعمال اللفظ في هذه المواطن أو في العدد المطلق كقولك: أحد عشر (الذي لا يمنع التعدد بل يثبته)؛ كل ذلك لا يعارِض اختصاص الله تعالى بالأحدية، التي تقتضي نفي النظير والكفؤ والسَّمِيّ.
وقال ابن كثير عند تفسير سورة الإخلاص ضمن "تفسيره" (8/ 528):
"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ؛ يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحدٍ في الإثبات إلا على الله، عز وجل؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله"، انتهى.
وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" (5/ 127):
"وأما اسم الله جل ثناؤه (أحَدٌ)؛ فإنه لا يوصف شيء بالأحدية غيره، لا يقال: رجلٌ أحدٌ، ولا: درهمٌ أحدٌ، كما يقال رجل (وَحَدٌ) أي: فرد، لأن (أحدًا) صفةٌ من صفات الله التي استأثر بها، فلا يشركه فيها شيء، وليس كقولك: الله واحد، وهذا شيء واحد، لأنه لا يقال: شيءٌ أحدٌ، وإن كان بعض اللغويين قال إن الأصل في الأحد: وَحَدٌ"، انتهى.
وراجع للفائدة الجواب (10282) و(246242).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟