أولاً:
من نام قبل المغرب واستيقظ بعد طلوع فجر اليوم التالي، لم يصح صومه لهذا اليوم عند الجمهور؛ لعدم نية الصيام من الليل، والليل يبدأ من غروب الشمس.
والجمهور يشترطون تبييت النية لكل يوم، ولا يكتفون بنية واحدة أول الشهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ رواه أبو داود (2454) والترمذي (730)، والنسائي (2331)، وفي لفظ للنسائي: مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ والحديث صححه الألباني في "صحيح أبي داود".
قال ابن قدامة رحمه الله: " وتعتبر النية لكل يوم. وبهذا قال أبو حنيفة ، والشافعي ، وابن المنذر.
وعن أحمد : أنه تجزئه نية واحدة لجميع الشهر ، إذا نوى صوم جميعه. وهذا مذهب مالك , وإسحاق ; لأنه نوى في زمن يصلح جنسه لنية الصوم ، فجاز ، كما لو نوى كل يوم في ليلته.
ولنا: أنه صوم واجب، فوجب أن ينوي كل يوم من ليلته , كالقضاء.
ولأن هذه الأيام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها ما ينافيها ، فأشبهت القضاء، وبهذا فارقت اليوم الأول" انتهى من "المغني" (3/ 23).
فعلى قول الجمهور يصح صوم اليوم الأول الذي نامه، إذا كان قد نوى صيامه من الليل، ولا يصح صوم اليوم الثاني أو الثالث الذي لم ينوه من الليل، وعليه قضاء ذلك.
وهذا إذا استغرق الإنسان الليل كله نائماً؛ بأن كان نائما قبل المغرب، واستمر نائما حتى طلع الفجر.
أما لو استيقظ أثناء الليل ولو لحظة، واستحضر أنه صائم غدا، فإن صومه يصح بلا خلاف بين العلماء .
ثانيا:
ذهب المالكية ، وأحمد في رواية إلى أنه تكفي نية واحدة أول الشهر.
جاء في "الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية" (ص: 193):
"وتكفي النِّيَّة الْوَاحِدَة لكل صَوْم يجب تتابعه، كرمضان وكفارته ، وَكَفَّارَة الْقَتْل ، وَالظِّهَار ، وَالنّذر المتتابع ، كمن نذر صَوْم شهر بِعَيْنِه ...
وَلَا بُد من تبييت النِّيَّة كل لَيْلَة فِي كل صَوْم يجوز تفريقه، كقضاء رَمَضَان ، وَالصِّيَام فِي السّفر ، وَكَفَّارَة الْيَمين ، وفدية الْأَذَى ، وَنقص الْحَج " انتهى.
وعلى هذا القول: فهذا النائم يصح صومه إذا نوى الصوم من أول الشهر، ولم يحصل أمر ينقطع به التتابع، كما لو سافر في أثناء رمضان، أو مرض فأفطر، فإنه إذا عاد للصوم، يجب عليه أن يجدد النية.
ورجح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله مذهب المالكية.
قال رحمه الله: "وقوله: لصوم كل يوم واجب أي: يجب أن ينوي كل يوم بيومه، فمثلا في رمضان يحتاج إلى ثلاثين نية.
وبناء على ذلك : لو أن رجلا نام بعد العصر في رمضان، ولم يستيقظ من الغد إلا بعد طلوع الفجر: لم يصح صومه ذلك اليوم؛ لأنه لم ينو صومه من ليلته.
وهذا الذي ذكره المؤلف: هو المشهور من المذهب.
وعللوا ذلك بأن كل يوم عبادة مستقلة، ولذلك لا يفسد صيام يوم الأحد بفساد صيام الاثنين مثلا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يشترط فيه التتابع، تكفي النية في أوله، ما لم يقطعه لعذر، فيستأنف النية.
وعلى هذا : فإذا نوى الإنسان أول يوم من رمضان أنه صائم هذا الشهر كله، فإنه يجزئه عن الشهر كله، ما لم يحصل عذر ينقطع به التتابع، كما لو سافر في أثناء رمضان، فإنه إذا عاد للصوم، يجب عليه أن يجدد النية.
وهذا هو الأصح؛ لأن المسلمين جميعا لو سألتهم لقال كل واحد منهم: أنا ناو الصوم من أول الشهر إلى آخره.
وعلى هذا؛ فإذا لم تقع النية في كل ليلة حقيقة ، فهي واقعة حكما؛ لأن الأصل عدم قطع النية. ولهذا قلنا: إذا انقطع التتابع لسبب يبيحه، ثم عاد إلى الصوم، فلا بد من تجديد النية.
وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس ، ولا يسع الناس العمل إلا عليه" انتهى من "الشرح الممتع" (6/ 356).
والأحوط العمل بمذهب الجمهور، فإن كل يوم عبادة مستقلة، ولهذا لا يفسد صوم يوم بفساد غيره، وهذه النية الحكمية من أول الشهر، يقطعها الفطر الذي يكون من المغرب إلى الفجر، فيحتاج إلى تجديد النية لكل يوم.
ثالثا:
يصح الصوم مع نوم جميع النهار؛ لأن النوم لا ينافي التكليف، بشرط نية الصوم من الليل كما تقدم.
وهذا بخلاف من أغمي عليه جميع النهار، فإنه لا يصح صومه عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه ليس من أهل التكليف، لغياب عقله.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (5/ 268): " ومن نوى الصوم من الليل، فأغمي عليه قبل طلوع الفجر، فلم يفق حتى غربت الشمس:
فقد قال الشافعية والحنابلة: لا يصح صومه؛ لأن الصوم هو الإمساك مع النية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي"؛ فأضاف ترك الطعام والشراب إليه. فإذا كان مغمى عليه فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يُجْزِه.
وقال أبو حنيفة: يصح صومه؛ لأن النية قد صحت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم، كالنوم.
ومن أغمي عليه بعد أن نوى الصيام، وأفاق لحظة في النهار، أجزأه الصوم، أي لحظة كانت، اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء" انتهى.
وفي الفرق بين النوم والإغماء، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " والفرق بينه وبين المغمى عليه: أن النائم إذا أوقظ يستيقظ، بخلاف المغمى عليه" انتهى من "الشرح الممتع" (6/ 353).
والحاصل:
أن من نام في رمضان يومين أو ثلاثة، لم يصح صومه لكل يوم لم ينوه من الليل عند جمهور أهل العلم، وعليه قضاؤه.
والله أعلم.