قال الحافظ ابن رجب، رحمه الله تعالى:
"قالَ كعبٌ: مَن صامَ رمضانَ وهوَ يُحَدِّثُ نفسَهُ أنَّهُ إذا أفْطَرَ بعدَ رمضانَ أنْ لا يَعْصِيَ الله؛ دَخَلَ الجنَّةَ بغيرِ مسألةٍ ولا حسابٍ، ومَن صامَ رمضانَ وهوَ يُحَدِّثُ نفسَهُ أنَّهُ إذا أفْطَرَ عَصى ربَّهُ؛ فصيامُهُ عليهِ مردودٌ. خَرَّجَهُ سَلَمَةُ بنُ شَبيبٍ " انتهى. "لطائف المعارف" (ص484).
وهذا الكلام لا تُعلم صحة نسبته إلى كعبٍ، لعدم العلم بسنده.
ثم قول "كعب"، وهو كعب الأحبار، ليس حجة في نفسه؛ إنما يذكر من باب الاعتبار.
كما روى الإمام البخاري (1903): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعامَهُ وَشَرابَهُ ).
فالعمل المتقبل يشترط في صاحبه أن يكون متقيا لله في أداء هذا العمل فلا يخلطه بالمعاصي.
قال الله تعالى: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) المائدة (27).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" والناس لهم في هذه الآية وهي قوله تعالى: إنما يتقبل الله من المتقين ، ثلاثة أقوال: طرفان ووسط.
فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر. وعندهم صاحب الكبيرة لا يقبل منه حسنة بحال.
والمرجئة يقولون: من اتقى الشرك.
والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل إلا ممن اتقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به خالصا لوجه الله تعالى...
فصاحب الكبائر إذا اتقى الله في عمل من الأعمال تقبل الله منه، ومن هو أفضل منه إذا لم يتق الله في عمل لم يتقبله منه، وإن تقبل منه عملا آخر… " انتهى.
ومن أعظم التقوى في العبادة أن يؤديها العبد معظما لله تعالى خائفا طامعا، ومن يؤدي العبادة وقلبه مشغول كيف يعصي الله بعدها، خاليا من تعظيم الله تعالى ومستهينا بحرمة العبادة، وغير خائف ولا وجل من ردها، فليس بمتقيا في عبادته هذه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" فإذا عرف أن الأعمال الظاهرة يعظم قدرها ويصغر قدرها بما في القلوب، وما في القلوب يتفاضل، لا يعرف مقادير ما في القلوب من الإيمان إلا الله - عرف الإنسان أن ما قاله الرسول كله حق، ولم يضرب بعضه ببعض.
وقد قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ .
وفي الترمذي وغيره، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( يَا رَسُولَ اللهِ، أهُوَ الرجل يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ ويَخَافُ أن يعاقب؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، بل هو الرجل يَصُومُ وَ يُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، وَيُخَافُ أن لا يتقبل منه ) " انتهى. "منهاج السنة النبوية" (6 / 222).
وأما إذا اتقى العبد في صومه كله وفي صلاته كلها وكذا سائر العبادات وأتى بها على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، فهذا يرجى أن يتقبل الله منه.
ثم إن عاد إلى المعصية، خشي عليه منها؛ لأن من المعاصي ما يحبط عمل صاحبه، وإن كان لا يحبط كله إلا بالشرك؛ فليحذر من ذلك؛ فإنه لا يدري: ما سلم له من عمله، وما حبط منه؟ وماذا أبقت له سيئاته من الحسنات، حتى يلقى بها رب العالمين، أو يثقل بها ميزانه.
وانظر: ما سبق بيانه في جواب السؤال رقم: (81874).
وقد سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:
" من يرجع إلى المعاصي بعد رمضان هل هو علامة على عدم قبول عمله في رمضان؟
فأجاب: يخشى عليه؛ لأن هذا علامة على التساهل، وأنه غير صادق التوبة، فينبغي للمؤمن إذا منّ الله عليه بإكمال الشهر أن يستقيم، وأن يستمر على الخير، وأن يحذر الشر والعودة إليه، فإن العودة إلى الشر خطير، قد يكون سببًا لحبوط عمله وعدم قبوله، لا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله السلامة " انتهى. من "فتاوى الدروس" من "موقع الشيخ".
الخلاصة:
لم يرد نص صحيح ينص على أن من عاد إلى المعصية بعد رمضان يبطل بذلك أجر صومه، لكن يخشى عليه، فبعض السيئات ربما أحبطت بعض الحسنات.
وأما إذا خالطت المعصية العبادة، فهذا خلاف التقوى، والعبادة إنما تقبل ممن اتقى الله فيها.
قال الله تعالى: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) المائدة (27).
والله أعلم.