هل تتقوى الرواية الضعيفة بتعدد الطرق؟

السؤال: 572193

هل الأحاديث المنقطعة تقوي بعضها البعض، كوجود أثرين عن صحابي واحد، وكلا الأثرين منقطعين عنه، فهل تتقوى وتصح للاحتجاج؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

تقوية الخبر الضعيف بمجموع طرقه، تكون معتبرة إذا أعطى مجموع هذه الطرق غلبةَ ظن بثبوت الخبر وصحته.

فحديث الراوي الضعيف الذي ينجبر ضعفه بمتابعة غيره له، هو الضعيف الذي ضعفه لم يصل إلى حالة غلبة الظن بخطئه في روايته هذه، بل تكون روايته على الاحتمال من جهة الخطأ والصواب.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"والتحرير فيه [أي الطريق الجابر للضعف] أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال ‌في ‌طرفي ‌القبول ‌والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما، فهو الذي يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر.

وأما إذا رَجَح جانبُ القبول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي - والله أعلم " انتهى. "النكت على كتاب ابن الصلاح" (1 / 409).

فلذلك ليس كل ضعيف تنجبر روايته، فالمتروك والمتهم بالكذب وسرقة الحديث مثلا: لا تفيده متابعة غيره له، ولا يفيد هو غيره.

قال النووي رحمه الله تعالى:

"واعلم أنه يدخل في المتابعات والاستشهاد رواية بعض الضعفاء، ولا يصلح لذلك كل ضعيف" انتهى. "شرح صحيح مسلم" (1 / 34).

وقال ابن الملقن رحمه الله تعالى:

"ثمّ اعلم أنه يدخل في المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودا في الضّعفاء - وفي الصّحيحين جماعَة من الضّعفاء، ذُكروا في المتابعات والشواهد.

وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدّارقطنيّ، وغيره في الضّعفاء: فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به" انتهى. "المقنع في علوم الحديث" (1 / 188).

وهذا يقضي بأن الحديث المنقطع، -وهو الذي سقط من إسناده راو أو أكثر، ويدخل فيه: الحديث المرسل والمنقطع والمعضل والمعلّق والمدلّس-، إنما يقبل التقوية بمثله، إذا قوي الاحتمال بأن هؤلاء الرواة الساقطين من الطرق، يدور حالهم بين التوثيق أو الضعف غير الشديد، وحيث نعلم أو يغلب على ظننا أن الراوي الساقط في طريق، غير الراوي الساقط في الطريق الآخر.

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

"وذلك أن معنى المنقطع: مغيبٌ؛ يحتمل أن يكون حُمِل عن من يُرغب عن الرواية عنه إذا سُمّي، وأن بعض المنقطعات، وإن وافقه مرسل مثله، فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحدا؛ من حيث لو سمّي لم يُقبل" انتهى. "الرسالة" (ص464).

ولم نجد من كلام أهل العلم ما ينص على أن كل منقطع يقبل التقوية، بل كلامهم يدور حيث يكون الانقطاع خفيفا، كالمرسل والعنعنة في حديث بعض المدلسين.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"(وَمَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ)؛ كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، (وَكَذَا) المختلط الّذي لم يتميّز، و (المَسْتُورُ، وَ) الإسناد (المُرْسَلُ، وَ) كذا (المُدَلَّس)، إذا لم يعرف المحذوف منه؛ (صَارَ حَدِيثُهُمْ حَسَناً، لَا لِذَاتِهِ؛ بَلْ) وصفه بذلك (بـ) اعتبار (المجموع)، من المتابع والمتابع؛ لأنّ كلّ واحد منهم: احتمال كون روايته صوابا أو غير صواب؛ على حدّ سواء.

فإذا جاءت من المعتبرين رواية موافقة لأحدهم؛ رجّح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودَلّ ذلك على أنّ الحديث محفوظ، فارتقى من درجة التّوقّف إلى درجة القبول، واللّه أعلم.

ومع ارتقائه إلى درجة القبول؛ فهو منحطّ عن رتبة الحسن لذاته، وربّما توقّف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه" انتهى. "نزهة النظر" (ص179).

فعند كلامهم عن تقوية المنقطعات لبعضها البعض، تجد كلامهم يدور في الغالب على المراسيل حيث الساقط من السند يحتمل أن يكون صحابيا فقط، أو صحابيا وتابعيا من الطبقة التي لم ينتشر فيها الكذب والتساهل في الرواية.

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

"فقال: فهل تقوم بالحديث المنقطع حجة على من علمه؟ وهل يختلف المنقطع، أو هو وغيره سواء؟

قال الشافعي، فقلت له: ‌المنقطع ‌مختلف:

فمن شاهد أصحاب رسول الله من التابعين، فحدَّث حديثا منقطعا، عن النبي اعتبر عليه بأمور: منها أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث؛ فإن شَرِكَه فيه الحفاظ المأمونون، فأسندوه الى رسول الله، بمثل معنى ما روى= كانت هذه دلالةً على صحة من قبل عنه، وحِفْظِه.

وإن انفرد بإرسال حديث، لم يشرَكْهُ فيه من يسنده: قَبِلَ ما ينفردُ به من ذلك.

ويُعتبر عليه؛ بأن يُنظر هل يوافقه مرسِل غيرُه، ممن قُبل العلم عنه، من غير رجاله الذين قُبل عنهم؟

فإن وجد ذلك؛ كانت دلالة يَقْوَى له مرسلُه، وهي أضعف من الأولى" انتهى. "الرسالة" (ص461).

فمراسيل سعيد بن المسيب مثلا عن عمر رضي الله عنه، رغم انقطاعها، فلها قوة، حتى إن من أهل العلم من يعاملها معاملة المتصل، وكمرسلات إبراهيم النخعي عن ابن مسعود رضي الله عنه.

فلا شك أنه لو فرض أن تابعيا ممن لم يدرك عمر رضي الله عنه، ولم يسمع منه، روى عن عمر مثل ما روى سعيد، مع اختلاف شيوخهم عادة، فهذا لا شك أنه يعطي مزيد قوة لمرسل سعيد ويقويه.

وكذا لو كثرت المرسلات عن صحابي بمعنى ما، واشتهرت، مع غلبة الظن باختلاف مخارجها، فهذا يعطي في القلب قوة ظن بصحة هذا المرسل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"و" المراسيل " ‌إذا ‌تعددت ‌طرقها، وخلت عن المواطأة قصدا، أو الاتفاق بغير قصد: كانت صحيحة قطعًا. فإن النقل إما أن يكون صدقا مطابقا للخبر، وإما أن يكون كذبا تعمد صاحبًه الكذب، أو أخطأ فيه؛ فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ: كان صدقا بلا ريب.

فإذا كان الحديث جاء من جهتين، أو جهات، وقد علم أن المخبرَين لم يتواطآ على اختلافه، وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقا بلا قصد؛ علم أنه صحيح.

مثل شخص يحدث عن واقعة جرت، ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال، ويأتي شخص آخر قد علم أنه لم يواطئ الأول، فيذكر مثل ما ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال؛ فيعلم قطعا أن تلك الواقعة حق في الجملة …

وهذا الأصل ينبغي أن يعرف، فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي، وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك" انتهى. "مجموع الفتاوى" (13 / 347 - 349).

الخلاصة:

الخبر المنقطع الإسناد قد يتقوى بمجموع طرقه التي كلها لا تخلو من انقطاع، لكن ليس بمجرد تعدد الطرق وكثرتها، وإنما إذا كان هذا التعدد يورث في القلب غلبة ظن بصحة الخبر، وهذا يحدث إذا كانت هناك قرائن تحتف بهذه الطرق وتورث في القلب علما أو غلبة ظن بصحة الخبر واستبعاد عدم ثبوته مع وجود هذا التعدد والقرائن.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android