أولا:
إذا كانت المظلمة لا تتعلق بحق مادي -كما يفهم من السؤال- بل تتعلق بالعرض، كالغيبة والكذب والبهان والسب والشتم، فالتحلل منها يكون بطلب العفو والصفح، إلا إن كان ذلك يترتب عليه مفسدة أكبر، فيكتفى بالتوبة، والدعاء للمظلوم، والثناء عليه، وتبرئة ساحاته لو كانت المظلمة تتعلق بذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فكل مظلمة في العرض، من اغتيابٍ صادقٍ، وبَهتٍ كاذبٍ: فهو في معنى القذف؛ إذ القذف قد يكون صادقا فيكون غيبة، وقد يكون كاذبا فيكون بَهتا.
واختيار أصحابنا: أنه لا يُعلمه، بل يدعو له دعاء يكون إحسانا إليه في مقابلة مظلمته، كما روي في الأثر.
وهذا أحسن من إعلامه؛ فإن في إعلامه زيادة إيذاء له، فإنّ تضرُّر الإنسان بما علمه من شتمه، أبلغ من تضرره بما لا يعلم.
ثم قد يكون ذلك سبب العدوان على الظالم أولا؛ إذ النفوس لا تقف غالبا عند العدل والإنصاف، ففي إعلامه هاتان المفسدتان.
وفيه مفسدة ثالثة -ولو كانت بحق- وهو زوال ما بينهما من كمال الألفة والمحبة، أو تجدد القطيعة والبغضة. والله تعالى أمر بالجماعة ونهى عن الفرقة. وهذه المفسدة قد تعظم في بعض المواضع أكثر من بعض" انتهى من "غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" للسفاريني (2/578)، "المستدرك على مجموع الفتاوى" (3/208).
وقال ابن القيم رحمه الله: " هل يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار للمغتاب، أم لا بد من إعلامه وتحليله؟
الصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه، بل يكفيه الاستغفار وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
والذين قالوا لا بد من إعلامه: جعلوا الغيبة كالحقوق المالية، والفرق بينهما ظاهر، فإن الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعَوْد نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها، وإن شاء تصدق بها.
وأما في الغيبة: فلا يمكن ذلك، ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصود الشارع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنه يوغر صدره ويؤذيه إذا سمع ما رمى به " انتهى من "الوابل الصيب" (ص 141 - 142).
ثانيا:
لا يجب عليك أن تدفع المال في مقابل العفو؛ لأن الحقوق المعنوية لم يرد في الشرع الاعتياض عنها.
قال البهوتي رحمه الله في "كشاف القناع" (3/ 401): " (أو) صالح قاذف (مقذوفا) عن حد القذف: لم يصح، وإن قلنا: هو له [أي: الحق في القذف للمقذوف، وليس لحق الله]، فليس له الاعتياض عنه؛ لأنه ليس بمال، ولا يئول إليه" انتهى.
وجاء في قرار " مجمع الفقه الإسلامي " رقم 109 (3/ 12) بشأن موضوع "الشرط الجزائي" ما نصه: "الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي ... ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي" انتهى.
وفي "الموسوعة الفقهية" (13/ 40) تحت عنوان "التعويض عن الأضرار المعنوية":
"لم نجد أحداً من الفقهاء عبَّر بهذا، وإنما هو تعبير حادث، ولم نجد في الكتب الفقهية أن أحداً من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية" انتهى.
لكن إذا لم يكن ذلك على وجه المعاوضة فلا حرج، كأن تهدي له، وتُكرمه؛ رجاء أن يصفح في نفسه، ويعفو عنك، وقد قال الله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) فصلت/34- 35.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (7/ 181): "وقوله: فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وهو الصديق، أي: إذا أحسنت إلى من أساء إليك، قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك، والحنو عليك، حتى يصير كأنه ولي لك حميم، أي: قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك" انتهى.
وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" (594) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (تهادوا تحابوا) وحسنه ابن حجر في "التلخيص" (3/ 163) والألباني في "صحيح الأدب المفرد".
فالهدية والإحسان لهما أثر كبير في تطييب النفوس، وقديما قيل :
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان
فلعلك إذا أحسنت إليه، وكررت الإحسان، طابت نفسه، وعفا عنك.
والله أعلم.