في العلاقات الزوجية الطبيعية قد يغضب أحد الزوجين، أو يهجر شريك حياته، وربما يمتد الأمر في بعض الحالات الشديدة إلى أسابيع، لكن ما تصفينه يتجاوز مجرد الغضب العابر؛ فهو يتمثل في انقطاع عاطفي متكرر، وتقليل التواصل إلى الحد الأدنى من الأمور الوظيفية – المنزلية -، وهو أدنى من الحد الضروري لاستقامة العشرة، ثم يرفض الحوار أو التوضيح، وتطول المدة، على نحو ما تصفين.
لذلك تبدو المشكلة أقرب إلى نمط متكرر في التعامل مع الخلافات، وليست مجرد نوبات غضب مؤقتة.
فبعض الأشخاص عندما يغضبون لا يواجهون المشكلة بصورة مباشرة، بل يستخدمون الانسحاب الطويل وسيلة للتعبير عن استيائهم، وكأن الرسالة التي يريدون إيصالها هي: "أنا مستاء منك إلى درجة أنني لا أريد التواصل"؛ وهنا يتحول الصمت من وسيلة مؤقتة للتهدئة، إلى أسلوب للتعامل مع الخلاف.
وأحيانًا يكون السبب وجود تراكمات من الإحباط أو المشاعر السلبية أو المظالم التي لم تُناقش، ولم تُحل، فيصبح أي خلاف جديد سببًا للانسحاب الكامل؛ لكن حتى لو كان هذا هو السبب، فإن رفض الحوار يمنع الوصول إلى معالجة المشكلة الأصلية.
كما أن بعض الأزواج يشعرون أثناء الخلاف بفقدان السيطرة على الموقف، فيلجؤون إلى قطع التواصل لأنهم يرون أن الصمت يمنحهم شعورًا بالقوة أو التحكم.
وبغض النظر عن السبب الذي يدعو زوجك إلى هذا التصرف، فإن التوجيهات العملية في التعامل مع هذه المشكلة ستكون موجهة إليك أنتِ؛ لأننا ببساطة لا نستطيع إيصال رسالتنا إلى زوجك، فإنه لم يطلب منا المشورة، بينما أنتِ من طلب النصيحة.
وعندما يطلب الإنسان المشورة فإنها تُوجَّه إليه، ليعرف كيف يتعامل مع المشكلة التي يواجهها، أما توجيه النقد، أو إصدار الأحكام للطرف الآخر الذي لم يطلب المشورة: فغالبًا لا يحقق فائدة، بل قد يؤدي إلى زيادة العناد أو النفور.
كما أن الحكم الشرعي التفصيلي على هذا السلوك، ومدى مخالفته للواجبات الزوجية لا يمكن الجزم به بدقة من خلال رواية طرف واحد فقط، بل يحتاج إلى معرفة ظروف الحالة وسماع الطرفين، وهو أمر غير متاح هنا.
لذلك فإن التركيز سيكون على بعض الإرشادات التي قد تعينك على التعامل مع هذه المشكلة؛ وهنا نقول لك:
أولاً:
عندما يقع الخلاف بينك وبين زوجك، لا تجعلي تركيزك منصبًا على الصمت نفسه، بل حاولي البحث عن السبب الذي يقف خلفه.
فالصمت في الغالب عرض من الأعراض، أما السبب الحقيقي فهو الذي يحتاج إلى فهم ومعالجة؛ وعلاجُ الأسباب دائمًا أنفع من الانشغال بالأعراض فقط.
ثانيًا:
بدلًا من استنزاف طاقتك في محاولة تغيير شخصية زوجك، أو حثه على تغيير أسلوبه، ركزي على الأمور التي تستطيعين أنت التأثير فيها.
فشخصية الزوج وطريقته في التعامل ليست تحت سيطرتك، أما أسلوبك في التواصل، وردود أفعالك، وطريقة تعبيرك عن احتياجاتك، وتهيئة أجواء أكثر استقرارًا وسعادة داخل الأسرة، فكلها أمور يمكنك العمل عليها والاستفادة منها.
وللتعرف على الجوانب التي يمكن تطويرها، اسألي نفسك بعض الأسئلة: ما التصرفات التي تسبق عادة دخوله في حالة الصمت؟ وهل يرتبط ذلك بضغوط العمل أو ضغوط أخرى؟ وهل يشعر بأنه مسموع ومقدر عندما يتحدث؟ وهل توجد أمور أو أخطاء من وجهة نظره تتكرر وتزعجه؟
والمقصود من هذه الأسئلة توجيه التفكير نحو الفهم والتطوير، وليس جلد الذات، أو تحميل نفسك مسؤولية غيرك، وتصرفاته.
ثالثًا:
عندما يعود زوجك إلى حالة من الهدوء ويصبح أكثر استعدادًا للتواصل، حاولي ألا تحولي تلك اللحظات إلى جلسات عتاب أو محاسبة أو فتح لملفات الماضي، لأن ذلك قد يعيد الخلاف من جديد.
بل ركزي على بناء اللحظات الإيجابية، والتعرف على ما يجلب السعادة والراحة لكما، والتعامل معه بهدوء واحترام، بعيدًا عن السخرية أو الاستفزاز أو كثرة اللوم.
رابعًا:
لا تسمحي لصمت زوجك أن يدخلك في دائرة التفكير السلبي، أو الاستنزاف النفسي المستمر.
احرصي على استثمار وقتك فيما ينفعك من تطوير الذات، وتعلم مهارات التواصل، والاهتمام بصحتك النفسية، والمحافظة على عبادتك، وصلتك بالله تعالى. فكلما كان القلب متعلقًا بالله أكثر، كان الإنسان أقدر على التعامل مع تقلبات الحياة والناس بثبات وطمأنينة. وقد قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.
خامسًا:
أثناء فترة صمت زوجك، احرصي على طلب حقوقك المشروعة، بطريقة محترمة وواضحة. عبّري عن احتياجاتك ومشاعرك دون اتهام أو تجريح أو إصدار أحكام. وفي الوقت نفسه حافظي على كرامتك واتزانك النفسي، فلا تجعلي همّك مطاردة الزوج، أو استجداء الاهتمام منه في كل لحظة، لأن ذلك قد يزيد شعورك بالإرهاق، ويضعف قدرتك على التعامل المتزن مع الموقف.
وفي الختام:
تذكري أن نجاح الحياة الزوجية لا يعتمد على تصرف واحد، أو موقف واحد، وإنما هو رحلة طويلة من الصبر والفهم والحكمة، والسعي للإصلاح.
وما دمت تبذلين الأسباب المشروعة، وتسعَيْن إلى تحسين ما تستطيعين تحسينه، فثقي أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
أسأل الله تعالى أن يشرح صدر زوجك، وأن يؤلف بين قلبيكما، وأن يجعل بينكما مودة ورحمة، وأن يرزقكما حسن التفاهم والتواصل، وأن يبدل ما تجدينه من ضيق وهم سكينةً وطمأنينة، وأن يصلح شأنكما كله، ويجمع بينكما على الخير والهدى والسعادة في الدنيا والآخرة.
والله أعلم.