154

هل يأثم من أخر قضاء رمضان ثم مات قبل القضاء؟

السؤال: 584507

هل إذا لم أقضِ صيام رمضان لهذا العام الذي فاتني بسبب الحَيض حتى قدوم الشتاء، ومِتُّ قبل أن يَحِلّ الشتاء، أكون آثمة إذا لم أوكّل أحدًا ليقضي عني؟ وهل يُلزم أي أحد من أقاربي أن يقضي الصيام عني؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

قضاء الصوم واجب موسّع، أي يجوز تأخيره إلى أن يبقى وقت لا يتسع إلا له، قبل رمضان التالي.

فلو كان عليك أسبوع مثلا، جاز لك تأخير القضاء إلى ما قبل رمضان القادم بأسبوع.

والأصل في ذلك قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ البقرة/184؛ ولم يشترط الفور، فدل على جواز تأخير القضاء.

وروى البخاري (1950) ومسلم (1146) عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، تَقُولُ: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

جاء في "الموسوعة الفقهية" (28/76) : " وقضاء رمضان يكون على التّراخي .

لكن الجمهور قيّدوه بما إذا لم يَفُتْ وقت قضائه، بأن يَهلّ رمضان آخر؛ لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ( كان يكون عليّ الصّوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلاّ في شعبان، لمكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم )، كما لا يؤخّر الصّلاة الأولى إلى الثّانية .

ولا يجوز عند الجمهور تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر يأثم به، لحديث عائشة هذا" انتهى.

وعلى هذا؛ فلو مات الإنسان في هذا الوقت الموسع لم يكن عليه إثم، ولا يلزمه أن يوصي أحدا بالصوم عنه.

قال الطوفي رحمه الله في "شرح مختصر الروضة" (1/ 322): " إذا مات في أثناء الموسع، قبل فعله وضِيق وقته: لم يمت عاصيا؛ لأنه فعل مباحا، وهو التأخير الجائز" انتهى.

ثانيا:

من مات وعليه صوم، وقد تمكن من قضائه فلم يفعل: فإنه يجب أن يُخرج من تركته طعامٌ عن كل يوم.

وإن صام وليه عنه: جاز.

قال النووي رحمه الله : (من مات، وعليه قضاء رمضان أو بعضه، فله حالان:

أحدهما: أن يكون معذورا في تفويت الأداء، ودام عذره إلى الموت، كمن اتصل مرضه أو سفره أو إغماؤه أو حيضها أو نفاسها أو حملها أو إرضاعها، ونحو ذلك، بالموت: لم يجب شيء على ورثته ولا في تركته لا صيام ولا إطعام...

الحال الثاني: أن يتمكن من قضائه، سواء فاته بعذر أم بغيره، ولا يقضيه حتى يموت، ففيه قولان مشهوران: أشهرهما، وأصحهما عند المصنف والجمهور، وهو المنصوص في الجديد: أنه يجب في تركته لكل يوم مد من طعام, ولا يصح صيام وليه عنه ...

والثاني: وهو القديم، وهو الصحيح عند جماعة من محققي أصحابنا، وهو المختار: أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، ويصح ذلك ويجزئه عن الإطعام وتبرأ به ذمة الميت، ولكن لا يلزم الولي الصوم، بل هو إلى خيرته ...

وهذا القديم هو الصحيح عند جماعة من محققي أصحابنا، الجامعين بين الفقه والحديث.

واستدلوا له بالأحاديث الصحيحة منها: حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من مات وعليه صيام، صام عنه وليه" رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن عباس قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله , إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال : لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى" رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن عباس أيضا قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أفرأيت لو كان على أمك دين، فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها ؟ قالت : نعم , قال : فصومي عن أمك " رواه مسلم ورواه البخاري أيضا تعليقا بمعناه .

وعن بريدة قال: بينما أنا جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت: يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت؟ فقال: وجب أجرك، وردها عليك الميراث. قالت: يا رسول الله , إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها ؟ قال : صومي عنها. قالت : إنها لم تحج قط أفأحج عنها ؟ قال : حجي عنها رواه مسلم ...".

إلى أن قال رحمه الله: "قلت: الصواب الجزم بجواز صوم الولي عن الميت، سواء صوم رمضان والنذر وغيره من الصوم الواجب؛ للأحاديث الصحيحة السابقة، ولا معارض لها.

ويتعين أن يكون هذا مذهب الشافعي؛ لأنه قال: " إذا صح الحديث فهو مذهبي واتركوا قولي المخالف له". وقد صحت في المسألة أحاديث كما سبق.

والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه كما سبق، ولو وقف على جميع طرقه، وعلى حديث بريدة، وحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لم يخالف ذلك كما قال البيهقي فيما قدمناه عنه في آخر كلامه. فكل هذه الأحاديث صحيحة صريحة، فيتعين العمل بها؛ لعدم المعارض لها) انتهى من "المجموع" (6/ 414).

والطعام الذي يجب إخراجه: مُدٌّ، وهو ربع صاع عن كل يوم، أي 750 جراما تقريبا.

والحاصل:

أن لك تأخير القضاء إلى أواخر شعبان القادم، ولا إثم عليك، ولا يلزمك أن توصي، ولا يلزم أقرباءك الصومُ عنك، ولهم فعل ذلك، كما تقدم.

وينظر: قضاء رمضان وما فيه من أحكام

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android