أولا:
لا يجوز للشريك أن يسكن في ملك شريكه، ولا أن يؤجره لأحد إلا بإذنه؛ لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. وهذا معلوم من نصوص الكتاب والسنة.
قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ النساء/29
وقال صلى الله عليه وسلم: لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ رواه أحمد (20172) وصححه الألباني في صحيح الجامع (7662).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ رواه البخاري (67) ومسلم (1679).
وقال صلى الله عليه وسلم: كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ رواه مسلم (2564).
قال الكاساني في "بدائع الصنائع" (6/ 65): "فأما شركة الأملاك: فحكمها ... أن كل واحد من الشريكين كأنه أجنبي في نصيب صاحبه، لا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه؛ لأن المطلِق للتصرف: الملك أو الولاية، ولا لكل واحد منهما في نصيب صاحبه ولاية بالوكالة أو القرابة؛ ولم يوجد شيء من ذلك" انتهى.
وعليه، فما قام به هذا الشريك من تأثيث الجزء الخاص بشريكه، وتأجيره مع نصيبه من البيت كوحدة واحدة، وأخذه الأجرة لنفسه: عمل محرم، وأكل للمال بالباطل.
ولا يبيح كون الشريك غائبًا، أو غير مهتم بالعقار، أو تاركًا لشؤونه، التعدي على حقه أو الاستبداد بالانتفاع بحصته، ما دام لم يأذن صراحة بذلك.
ثانيا:
الواجب عليه التوبة إلى الله تعالى، بالتوقف عن هذا العمل المحرم، والندم على ما قدم، والعزم على عدم العود إليه، والتحلل من صاحبه وطلب السماح والعفو منه، فيخبره أنه فعل ذلك، ويتحلل منه، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ رواه مسلم (4679).
وعَنْه رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ رواه البخاري (2269).
فإن حلله شريكه وعفا عنه مجانا، فالحمد لله، وإن طالبه بحقه، فله ذلك.
ثالثا:
أمامك في هذه المسألة طريقان مشروعان لتصحيح الوضع وردّ الحقوق إلى أصحابها:
الأول:
أن تُبادر إلى إخبار شريكك بحقيقة ما جرى، وتُطلعه على أنك قمت بتأثيث الجزء الخاص به من العقار من مالك الخاص، وأنك انتفعت بالعقار كاملًا خلال المدة الماضية، ثم تعرض عليه أن يكون شريكًا لك في هذه المنفعة.
فإن رضي بذلك ففي هذه الحال: تحسب أجرة البيت خلال المدة الماضية، فيكون له نصفها، ويخصم منها نصف ثمن الأثاث، والصيانة، ويكون الأثاث مشتركا بينهما.
الثاني:
إن لم يرضَ شريكك بهذا الخيار، فالأصل أن يبقى الأثاث ملكًا خالصًا لك، ويلزمك حينئذٍ إخلاء الجزء الخاص به من الأثاث، ور العين إلى حالها، كما يلزمك أن تؤدي له أجرة المثل عن مدة انتفاعك بنصيبه من العقار، وذلك بحسب القيمة المعتادة لتأجير مثل هذه الوحدة غير المؤثثة في ذلك المكان، ويُرجع في تقدير ذلك إلى أهل الخبرة والاختصاص.
رابعا:
ما أنفقه الشريك من مال على صيانة العقار، أو إصلاحه، أو المحافظة عليه، فإن كان ذلك بإذن الشريك الآخر أو بطلبه، فله الرجوع عليه بنصيبه من النفقة.
أما إن أنفق من غير إذن، فإن كان الإنفاق ضرورياً لحفظ العين من التلف والهلاك، فله أن يرجع بما أنفقه بالمعروف، لأنه من باب حفظ المال المشترك، وهو مأذون فيه عرفًا.
أما ما زاد على الضرورة، أو كان تحسينًا أو تزيينًا، فلا يرجع به إلا برضا الشريك.
وعليه: فإن كان ما دفعته للصيانة شيئا لازما متعلقا بحفظ العقار فمن حقك أن تطالبه به، وإن كان شيئا فعلته من أجل تسويق العقار وتأجيره فلا يلزمه تعويضك عنه.
والله أعلم