جاء الشرع بإرشادات سامية للتاجر، بمراعاتها تحصل البركة في الدنيا والنجاة في الآخرة، ومدارها على العدل والإحسان وتجنب ما ينكر من المعاملات والبيوع.
إرشادات نبوية للتاجر المسلم
السؤال: 589063
هل يصح القول الذي ينسب إلى عبدالرحمن بن عوف الذي يقول فيه: "ما بعت معيباً، ولا بعت ديناً، ولا استقللت ربحاً"؟ وهل هناك سنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وآثار عبدالرحمن بن عوف في التجارة، يمكن أن أقتدي بها، وأستفيد منها؟ أرجو الرد بما يفيد من النصائح بالتجارة، رداً كريماً، يكتب الله تعالى لكم به أجراً.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
هذا الخبر لم نقف عليه مسندا في شيء من مصادر السنن والآثار، وقد ساقه بعضهم بلفظ فيه بعض الاختلاف، لكن بلا سند.
فقد ذكره أبو طالب المكي في "قوت القلوب" (3 / 1679)، ولعله عنه نقله أبو حامد الغزالي في "إحياء علوم الدين" (2 / 80)، بلا إسناد وبلفظ:
" قيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما سبب يسارك؟
قال: ثلاث؛ ما رددت ربحاً قط، ولا طلب مني حيوان فأخرت بيعه، ولا بعت بنسيئة " انتهى.
وقد ذكر نحوه ابن عبد البر في "الاستيعاب" (3 / 134)، بلا إسناد أيضا، لكن نسبه إلى الزبير رضي الله عنه، بلفظ: " كان الزُّبير تاجرًا مَجدودًا في التِّجارةِ، وقيل له يومًا: بِمَ أدْرَكْتَ في التِّجارة ما أدرَكْت؟ فقال: لأنِّي لم أستُرْ عيبًا، ولم أرُدَّ رِبْحًا، واللهُ يُبارِكُ لمَن يشاءُ " انتهى.
ثانيا:
والمعاملات المالية بين الناس: مظنة لحصول الأثرة والظلم والتطفيف والخيانة، لذا أرشد الشرع التجار إلى جملة من الآداب يدرك بها التاجر البركة في الدنيا والنجاة في الآخرة، ومن هذا:
الأمر الأول:
على التاجر أن يتفقه في أحكام البيوع حتى لا يقع في المعاملات المحرمة والأموال الخبيثة.
روى الإمام مالك في "الموطأ - رواية محمد بن الحسن الشيباني" (ص283)، والترمذي (487): عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ( لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ ).
وقال الترمذي: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ".
وقال ابن كثير في "مسند الفاروق" (2 / 24): " وهو إسناد حسن صحيح ".
قال البهوتي رحمه الله تعالى:
" هذا كتاب البيع، قدَّمه على الأنكحة وما بعدها، لشدة الحاجة إليه؛ لأنه لا غنى للإنسان عن مأكول ومشروب ولباس، وهو مما ينبغي أن يُهتم به؛ لعموم البلوى، إذ لا يخلو مكلَّف غالبا من بيع وشراء، فيجب معرفة الحكم في ذلك قبل التلبُّس به.
وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه لا يجوز لمكلَّف أن يُقدِم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه. وبعث عمر رضي الله عنه من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه " انتهى. "كشاف القناع" (7 / 295).
وللأهمية وللوقوف على بعض الكتب المناسبة للتاجر، طالع جواب السؤال رقم: (71178).
ومن الكتب النافعة أيضا: كتاب : "فقه التاجر المسلم" للشيخ الدكتور: حسام الدين عفانة.
الأمر الثاني:
يجب على التاجر أن يلتزم الصدق ويتصف به، فبه تحصل البركة والخير.
روى البخاري (2082)، ومسلم (1532): عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ( البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا -أَوْ قالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقا- فَإِنْ صَدَقا وَبَيَّنا بُورِكَ لَهُما فِي بَيْعِهِما، وَإِنْ كَتَما وَكَذَبا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما ).
وبوّب عليه البخاري بقوله: " بابُ ما يَمْحَقُ الكَذِبُ والكِتْمانُ فِي البَيْعِ ".
فعلى التاجر أن يقيم تجارته على الصدق والوضوح ويتجنب الخداع والغش.
روى الإمام مسلم (102): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: (مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟) قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: (أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ).
الأمر الثالث:
يكره للتاجر أن يلح على المشتري بالأيمان والحلف على حسن بضاعته، ورخص ثمنها، ونحو هذا، ويحرم إن كانت اليمين كاذبة.
روى البخاري (2087)، ومسلم (1606): عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( الحَلِفُ: مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ).
ورواه أبو داود (3335)، وبوّب عليه بقوله: " بَابٌ فِي كَرَاهِيَةِ الْيَمِينِ فِي الْبَيْعِ".
وروى الإمام مسلم (106): عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ مِرَارٍ.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ).
ولمزيد الفائدة راجع جواب السؤال رقم (38619).
الأمر الرابع:
ينبغي للتاجر أن يتسم بسهولة الخلق، والسماحة في التعامل مع المشترين وعدم التشدد.
روى البخاري (2076): عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا، سَمْحًا إذا باعَ، وَإِذا اشْتَرَى، وَإِذا اقْتَضَى ).
وبوّب عليه الإمام البخاري بقوله: " بابُ السُّهُولَةِ والسَّماحَةِ فِي الشِّراءِ والبَيْعِ، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ ".
الأمر الخامس:
على التاجر أن لا يبلغ به الحرصُ على الربح والمال، إلى حد الوقوع في البيوع المحرمة.
روى ابن ماجه (2144)، وابن حبان "الاحسان" (8 / 32): عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ).
الأمر السادس:
على التاجر المسلم أن يتعاهد ربحه بالصدقة منه بما يتيسر.
روى أبو داود (3326)، والنسائي (3797)، والترمذي (1208)، وابن ماجه (2145): عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: ( يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلْفُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ ).
وقال الترمذي: " حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ " انتهى.
وتتأكد العناية بالصدقة على الأقارب؛ فهي صدقة وصلة للرحم.
قال الخلال رحمه الله تعالى:
" حدثنا أبو بكر المروذي قال: سمعتُ رجلًا يقول لأبي عبد الله [ أحمد بن حنبل ] رحمه الله: إني في كفاية. فقال: الزَم السُّوق، تصلُ به الرَّحِمَ، وتَعودُ به " انتهى. "الحث على التجارة" (ص11).
وقال الخلال رحمه الله تعالى:
" وأخبرنا أبوبكر المروذي، قال: قال رجل لأبي عبد الله رحمه الله من أصحاب ابن أسلم: ترى أن أعمل؟ قال: نعم، وتصدق بالفضل على قرابتك " انتهى. "الحث على التجارة" (ص12).
الأمر السابع:
على التاجر ألا يحتقر شيئا مما ينعم الله به عليه من الربح، مهما قل، وعليه أن يقابله بالشكر فهو باب الزيادة والبركة.
قال الله تعالى:
( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم (7).
فقد تجد من أصحاب التجارات من إذا قل ربحه، اغتم ولم يشكر على القليل، وإذا كثر، فرح ولم يشكر على الكثير، ويرى أن ما يحصله من ربح هو بعلمه وشطارته.
قال الله تعالى:
( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ) الأعراف (10).
وليكن التاجر مقتديا بسليمان عليه السلام حيث قابل ما أوتيه من الملك بقوله:
( هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ) النمل (40).
وليحذر سبيل قارون حيث قابل ما أوتيه من المال بقوله: ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) القصص (78).
وعن حقيقة الشكر: تحسن مطالعة جواب السؤال رقم: (125984).
الأمر الثامن:
على التاجر ألا يدع الحرص يجرّه إلى الانشغال عن ذكر الله تعالى من صلوات الجماعة وغيرها.
قال الله تعالى:
( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) النور (36 - 37).
وكذا لا ينبغي له التقصير في الحقوق الشرعية للأقارب والإخوان.
فمن استحب التجارة من أهل العلم: إنما استحبها، لأن التاجر يملك نفسه، فيستطيع إغلاق محله متى أراد لأداء ما يجب عليه من حقوق الإخوان.
قال الخلال رحمه الله تعالى:
" أخبرني زكريا بن يحيى أبو يحيى الناقد قال: سألت أبا عبد الله رحمه الله قلتُ: إني أعمَلُ بِكِريّ، وأبوايَ يُريدونِي على أَخْذِ دُكَّانٍ لنفسي، قال: فخُذْ دُكَّانًا، تكونُ جنازة، يكون مريضٌ " انتهى. "الحث على التجارة" (ص13).
الخلاصة:
هذا الخبر عن عبد الرحمن بن عوف لم تثبت صحته، فلم نقف له على أصل، وقد ذكره بعض أهل العلم بلا إسناد.
وقد جاء الشرع بإرشادات سامية للتاجر، بمراعاتها تحصل البركة في الدنيا والنجاة في الآخرة، ومدارها على العدل والإحسان وتجنب ما ينكر من المعاملات والبيوع.
كما في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) النحل (90).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟