ما الدليل على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية؟

السؤال: 600523

ما صحة حديث: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له)، وقد كنت أرى أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن العلماء حينما ذكروا تحريم لمس النساء دون وجه إباحة لم يذكروا هذا الحديث، وهو أوضح حديث في هذا الشأن، لكنهم استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (إني لا أصافح النساء)، وبقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: " أن يد النبي صلى الله عليه وسلم ما مست امرأة قط، وقولهم أنه صلى الله عليه وسلم " كان يبايعهن بالكلام"، فهل تضعيفي للحديث الأول يجوز لهذه العلة؟
علما بأني أضعف كل حديث ليس الصحيحين لهذا السبب، والأحاديث الثلاثة الأخيرة كيف تفيد النهي أو التحريم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك، فقط روي عنه أنه لم يكن يفعل ذلك، لكن لم يقل لا تفعل، فلم يدل ذلك على وجوب الاجتناب؟ أما الحديث الأول إن عمل بصحته لاختصر علينا كثيرا؛ لأن فيه التحذير الصريح؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

روى الروياني في "المسند" (2 / 323)، والطبراني في "المعجم الكبير" (20 / 211)، و (20 / 212): عن شَدَّاد بْن سَعِيدٍ الرَّاسِبِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( لَأَنْ يُطْعَنَ فِي ‌رَأْسِ ‌أَحَدِكُمْ ‌بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ ).

ونص عدد من أهل العلم على جودة إسناده، كقول الهيثمي رحمه الله تعالى:

" رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح " انتهى. "مجمع الزوائد" (4/326).

بل قال الضياء المقدسي، رحمه الله، قبله: "هذا الحديث على رسم مسلم" اهـ من "جزء في اتباع السنن" رقم 15.

لكن شداد بن سعيد، مختلف فيه، فقد ورد توثيقه عن عدد من أهل العلم.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" قال أحمد: شيخ ثقة.

وقال ابن معين: ثقة.

وقال أبو خيثمة: ‌شداد ‌بن ‌سعيد ثقة.

وقال البخاري: ضعفه عبد الصمد بن عبد الوارث.

وقال النسائي: ثقة.

وذكره ابن حبان في الثقات " انتهى. "تهذيب التهذيب" (2/155).

وتكلّم فيه بعضهم لأخطاء وردت في مروياته.

قال البخاري رحمه الله تعالى:

" شداد بن سعيد أبو طلحة الراسبي، بصري ... ضعفه عبد الصمد " انتهى. "التاريخ الكبير" (4/227).

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

" شداد ‌بن ‌سعيد الراسبي أبو طلحة: صدوق وغيره أقوى منه، سمع يزيد بن الشخير، قال العقيلي: له غير حديث لا يتابع على شيء منها. كذا قال، وأما ابن عدي، فقال: لم أر له حديثا منكرا " انتهى. "المغني في الضعفاء" (1/296).

وقول الهيثمي بأنه من رجال الصحيح، فالبخاري لم يخرج له، والإمام مسلم أخرج له حديثا في الشواهد، ولم يخرج له على وجه الاحتجاج.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" له في مسلم حديث واحد: حديث أبي بردة عن أبيه؛ في وضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى.

قلت: لكنه في الشواهد " انتهى. "تهذيب التهذيب" (2/155).

وقال الشيخ الألباني، رحمه الله في "السلسلة الصحيحة" رقم (226):

"وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين غير شداد بن سعيد، فمن

رجال مسلم وحده، وفيه كلام يسير لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن..".

لكن شدادا، مع ما فيه من الكلام، قد خالفه من هو أوثق منه، فرواه من كلام معقل رضي الله عنه.

روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (9 / 520): عَنْ بَشِيرِ بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: (لَأَنْ يَعْمِدَ أَحَدُكُمْ إِلَى مِخْيَطٍ ‌فَيَغْرِزُ بِهِ فِي رَأْسِي، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَغْسِلَ رَأْسِيَ امْرَأَةٌ لَيْسَتْ مِنِّي ذَاتَ مَحْرَمٍ ).

وبشير بن عقبة ثقة.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

" بشير ‌بن ‌عقبة أبو عقيل الدورقي، عن مجاهد والحسن، وعنه القطان ومسلم وعدة: ثقة " انتهى. "الكاشف" (1 / 271).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" بشير ‌بن ‌عُقْبة النَّاجيّ السَّاميّ ... أبو عَقِيل الدَّوْرقيّ، البصريٌ: ثقة " انتهى. "تقريب التهذيب" (ص 125).

فالحاصل؛ أن في ثبوت هذا الخبر، مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، نظرا قويا؛ لأن راويه قد خالفه فيه من هو أوثق. وإلا؛ فهو صحيح من كلام معقل رضي الله عنه في مسألة غسل الرأس.

ثانيا:

كون الحديث لم تثبت صحته، لا يعني هذا جواز مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية ولمس بشرتها بلا حاجة مشروعة.

فإن من المحرمات ما يقطع بحرمتها مع عدم وجود نص يصرح بها، فأحكام الشرع لا تنحصر سبل معرفتها في ظواهر النصوص الصريحة فقط، بل قد يعلم الحكم من النصوص عن طريق الإشارة والفحوى والقياس وغيرها.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

" ولكن مما ينبغي أن يعلم: أن ذكر الشيء بالتّحريم والتّحليل مما قد يخفى فهمُه من نصوص الكتاب والسنة، فإن دلالة هذه النّصوص قد تكون بطريق النّصّ والتّصريح، وقد تكون بطريق العموم والشّمول، وقد تكون دِلالته بطريق الفحوى والتنبيه، كما في قوله تعالى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء: 23]، فإن دخول ما هو أعظم من التّأفيف من أنواع الأذى يكون بطريق الأولى، ويسمّى ذلك مفهوم الموافقة.

وقد تكون دلالته بطريق مفهوم المخالفة، كقوله: ( في الغنم السَّائمة الزكاة )، فإنه يدلّ بمفهومه على أنّه لا زكاة في غير السّائمة، وقد أخذ الأكثرون بذلك، واعتبروا مفهوم المخالفة، وجعلوه حجّة.

وقد تكون دلالته من باب القياس، فإذا نصّ الشّارع على حكم في شيء لمعنى من المعاني، وكان ذلك المعنى موجودا في غيره، فإنّه يتعدّى الحكم إلى كل ما وجد في ذلك المعنى عند جمهور العلماء، وهو من باب العدل والميزان الذي أنزله الله، وأمر بالاعتبار به، فهذا كلّه ممّا يعرف به دلالة النّصوص على التّحليل والتّحريم.

فأمّا ما انتفى فيه ذلك كلّه، فهنا يستدلّ بعدم ذكره بإيجاب أو تحريم على أنّه معفوّ عنه " انتهى. "جامع العلوم والحكم" (2/164).

وهذا حال مسألة مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية ولمسها، فهي مسألة، وإن كان في النص الصريح في النهي عنها، مقالا، على ما سبق، أو كان الراجح ضعفه؛ إلا أنها لم تخلُ من أدلة أخرى تشير إلى النهي عنها، من ذلك:

الأمر الأول:

أن المصافحة هي من تمام سنة البيعة، وتأكيدها، وهكذا كانت سنة الرجال؛ أن يصافحوا النبي صلى الله عليه وسلم عند البيعة؛ فلما امتنع صلى الله عليه وسلم من المصافحة، عند بيعة النساء، مع قيام المقتضي لها: دل ذلك على أنها غير مشروعة. ودل أيضا على أنه أسوة لأمته في ذلك، وإلا؛ فلا دليل على التخصيص؛ بل المعنى: أن من سواه أولى في المنع من مصافحة النساء منه، صلى الله عليه وسلم.

وروى الإمام مالك في "الموطأ" (2 / 982)، والنسائي (4181)، والترمذي (1597)، وابن ماجه (2874): عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: جِئْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي نِسْوَةٍ نُبَايِعُهُ، فَقَالَ لَنَا: ( فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ، إِنِّي لَا ‌أُصَافِحُ النِّسَاءَ ).

وقال الترمذي: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ " انتهى.

فالنبي صلى الله عليه وسلم بيّن علة عدم توثيقه لبيعة النساء بالمصافحة مع الحاجة؛ بأن مصافحة النساء ليست من هديه صلى الله عليه وسلم. وبهذا المعنى، دللت أم المؤمنين على موضع الأسوة من فعله صلى الله عليه وسلم.

روى البخاري (7214)، مسلم (1866): عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: ( كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلَامِ بِهَذِهِ الآيَةِ: لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ، قالَتْ: وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‌يَدَ ‌امْرَأَةٍ؛ إِلَّا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا ).

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:

" وكونه صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء وقت البيعة: دليل واضح على أن الرجل لا يصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئا من بدنها؛ لأن أخف أنواع اللمس المصافحة، فإذا امتنع منها صلى الله عليه وسلم، في الوقت الذي يقتضيها، وهو وقت المبايعة= دل ذلك على أنها لا تجوز.

وليس لأحد مخالفته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره" انتهى. "أضواء البيان" (6 / 663).

ولهذا؛ لم يرد عن الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان استباحة المصافحة واللمس، بل كان هديهم التباعد عن النساء وعدم الاختلاط بهن.

وقد مرّ قول معقل بن يسار عند ابن أبي شيبة، وتشدده في منع المرأة الأجنبية من أن تغسل رأسه، حيث قال رضي الله عنه: ( لَأَنْ يَعْمِدَ أَحَدُكُمْ إِلَى مِخْيَطٍ ‌فَيَغْرِزُ بِهِ فِي رَأْسِي، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَغْسِلَ رَأْسِيَ امْرَأَةٌ لَيْسَتْ مِنِّي ذَاتَ مَحْرَمٍ ).

وهذا الذي اتفق عليه أهل العلم في حق المرأة التي مثلها تشتهى، واختلفوا في حق العجوز.

جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (37 / 359):

" وأما مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية الشابة: فقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الرواية المختارة، وابن تيمية: إلى تحريمها.

وقيد الحنفية التحريم: بأن تكون الشابة مشتهاة.

وقال الحنابلة: وسواء أكانت من وراء حائل كثوب ونحوه أم لا " انتهى.

وطالع للفائدة جواب السؤال رقم: (360044)، ورقم: (21183)، ورقم: (390082).

الأمر الثاني:

أن شرع الله تعالى متشابه، لا اختلاف فيه، فليس من سنة الشرع أن يحرم شيئا لما فيه من فساد، ثم يبيح شيئا مثله في المفسدة، أو أشد منه؛ بلا مصلحة راجحة.

قال الله تعالى:

( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) النساء (82).

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" قد استقرت شريعته سبحانه أن حكم الشيء حكم مثله، فلا تفرق شريعته بين متماثلين أبدا، ولا تجمع بين متضادين ... فبحكمته وعدله ظهر خلقه وشرعه، وبالعدل والميزان قام الخلق والشرع، وهو التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين " انتهى. "زاد المعاد" (4 / 248).

والشرع قد نص على النهي عن النظر إلى النساء الأجنبيات بلا مصلحة شرعية.

قال الله تعالى:

( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) النور (30 - 31).

وروى الإمام مسلم (2159)، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: ( سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي ).

ولا شك أن اللمس والمصافحة مثله في خشية الفتنة، أو أشد، وذلك من أوجه ثلاث:

الوجه الأول:

أن النظر نهي عنه لأنه باب للفتنة والفاحشة؛ ولا شك عند العقلاء أن اللمس مثله في جلب الفساد بل أشد.

روى الإمام مسلم (2657):عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ).

جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (37 / 360):

" واستدلوا أيضا بالقياس على النظر إلى المرأة الأجنبية، فإنه حرام باتفاق الفقهاء إذا كان متعمدا، وكان بغير سبب مشروع، لما ورد في النهي عنه من الأحاديث الصحيحة.

ووجه القياس: أن تحريم النظر: لكونه سببا داعيا إلى الفتنة؛ واللمس الذي فيه المصافحة: أعظم أثرا في النفس، وأكثر إثارة للشهوة من مجرد النظر بالعين.

قال النووي: وقد قال أصحابنا: كل ما حرم النظر إليه، حرم مسه، بل المس أشد، فإنه يحل النظر إلى أجنبية إذا أراد أن يتزوجها، ولا يجوز مسها " انتهى.

الوجه الثاني:

أن اللمس والمصافحة تفضي إلى النظر المحرم، فالمصافحة لا تكاد تنفك عن النظر، فعادة البشر عند المصافحة: النظر إلى وجه وبدن المصافح أو يده، فمن يستبيح المصافحة يراها حسن معاملة، فلا يعقل أن يلاطف شخصا بالمصافحة ويعرض عنه بوجهه، ولا يعقل أن يصافح يدا لا يبصرها.

والفعل إذا كان لا يكاد ينفك عن محرم: فلا شك في النهي عنه، إذا خلا من مصلحة راجحة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" وهذا أصل مستمر في أصول الشريعة، كما قد بسطناه في قاعدة سد الذرائع وغيرها ، وبيّنا أن كل فعل أفضى إلى المحرم كثيرا، كان سببا للشر والفساد، فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية، وكانت مفسدته راجحة: نهي عنه.

بل كل سبب يفضي إلى الفساد: نهي عنه، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة؛ فكيف بما كثر إفضاؤه إلى الفساد " انتهى . "الفتاوى الكبرى" (4 / 465).

الوجه الثالث:

أن النظر إذا كان منهيا عنه، فاللمس أولى بالنهي.

لأن النظر لا تكاد فتنته تقع إلا على الناظر.

أما اللمس، ومنه المصافحة: فلا تخلو من نشر الفتنة والتعاون على الإثم.

قال الشاطبي رحمه الله تعالى:

" الأدلة الشرعية والاستقراء التام أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية ... وكذلك الأدلة الدالة على سد الذرائع كلها، فإن غالبها تذرع بفعل جائز، إلى عمل غير جائز ، فالأصل على المشروعية، لكن مآله غير مشروع ...

قال ابن العربي حين أخذ في تقرير هذه المسألة: اختلف الناس بزعمهم فيها، وهي متفق عليها بين العلماء، فافهموها وادخروها " انتهى . "الموافقات" (5 / 179 – 182).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" والأصل أن كل ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز، فإن الذريعة إلى الفساد سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة.

ولهذا كان النظر الذي قد يفضي إلى الفتنة محرما، إلا إذا كان لحاجة راجحة " انتهى. "مجموع الفتاوى" (15 / 419).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (148181)، ورقم: (69824).

الخلاصة:

حديث معقل بن يسار لم تثبت صحته.

لكن الأحكام الشرعية ليس سبيل معرفتها ظواهر النصوص الصريحة فقط، بل من طرق ادراكها أيضا الفحوى والإشارة والقياس وغيرها مما هو مبسوط في كتب الأصول.

ومن المعلوم أن أضر فتنة على الرجال هي فتنة النساء.

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ) رواه البخاري (5096)، ومسلم (2740).

وقد جاء الشرع بسدّ ما يؤدي إليها ومن ذلك الأمر بغض البصر، وشرع الله محكم لا اختلاف فيه، فإذا نهى عن النظر المتعمد الذي لا مصلحة فيه، فلا شك أن ينهى عمّا هو أشد منه فتنة كلمس اليد والوجه وغير ذلك، وهذا هو الذي مضى عليه سبيل المؤمنين من عهد نبينا صلى الله عليه وسلم.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android